رأفت النيداني يكتب الرؤساء القانونيون

رأفت النيداني يكتب الرؤساء القانونيون

    نسبة كبيرة من كبار السياسيين على مستوى العالم كله هم من دارسى القانون. وقد استطاع عدد كبير من هؤلاء الوصول فعلاً إلى سدة الحكم فى بلدانهم. ففى الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، ثمة 25 رئيساً قانونياً من إجمالى 45 رئيساً حتى الآن. وفى فرنسا، كان الرؤساء فرانسوا ميتران ونيكولا ساركوزى وفرانسوا أولاند حاصلين على مؤهل جامعى فى القانون. وفى روسيا الاتحادية، تجدر الإشارة إلى أن كلاً من الرئيس الحالى «فلاديمير بوتين» والرئيس السابق «ديمترى ميدفيديف» قد درسا القانون فى كلية الحقوق بمقاطعة ليننجراد.

    وكما يقولون، «لكل من مهنته نصيب». ولا شك أن دراسة القانون وممارسة المهن القانونية تشكل شخصية صاحبها وتؤثر على طريقته فى اتخاذ القرار، ويمكن بالتالى أن تسهم فى التعرف على نوعية القرارات التى يقدم عليها. وفى مقام بيان تأثير الدراسات القانونية على الرؤساء من ذوى الخلفية القانونية، نود التأكيد على أن المراد هنا هو الدور التربوى للقانون من خلال غرس قيم معينة وإرساء طرق معينة فى صنع القرار، وليس مجرد التطبيق الحرفى لحكم قانونى معين مرتبط بوظيفة قانونية أو قضائية معينة. فعلى سبيل المثال، وفيما يتعلق بالوظيفة القضائية، ثمة قاعدة تقضى بأنه «إذا أصدر القاضى حكمه استنفد ولايته، ولا يجوز له الرجوع فيه، ولو تبين له خطأ هذا الحكم». وهذه القاعدة الحاكمة للوظيفة القضائية تختلف تماماً عن المبادئ الحاكمة للوظائف التنفيذية، حيث استقرت أحكام القضاء الإدارى على جواز سحب القرار الإدارى، ولو كان صحيحاً. ومن باب أولى، يجوز، بل ينبغى على المسئول التنفيذى أن يبادر إلى سحب القرار الإدارى، متى تبين له خطأ هذا القرار أو انتفاء أحد وجوه المشروعية عنه. ومع ذلك، وأثناء توليه وزارة «الشئون القانونية ومجلس النواب»، ثار الجدل حول قيام المستشار مجدى العجاتى بتعيين أمين عام جديد لمجلس النواب، خلفاً للواء خالد الصدر، دون انتظار انعقاد مجلس النواب، مستفيداً من المادة 51 من قانون مجلس النواب، والتى تنص على قيام رئيس الوزراء بمهام رئيس البرلمان فى غيبة الأخير، وله أن يفوض الوزير المختص بممارسة بعض صلاحياته. وسبب الجدل أن قرار الوزير صدر قبل أيام قليلة من انعقاد أول مجلس نواب بعد إقرار دستور 2014م. وتعليقاً على الأزمة المثارة فى هذا الشأن، صرح المستشار مجدى العجاتى بأنه على مدى أكثر من أربعين عاماً تولى فيها منصب القضاء اعتاد على عدم التراجع عن أى قرار اتخذه. والواقع أن هذا التصريح لم يكن موفقاً، لاسيما أن قائله عمل طيلة حياته فى قضاء مجلس الدولة، ويعلم علم اليقين أن القرار الإدارى يجوز سحبه، ولو كان صحيحاً، فما بالك لو كان القرار باطلاً أو ثارت حوله الشبهات والأقاويل. وما دام قد تولى منصب الوزير، فقد انقطعت صلته بالعمل القضائى، وغدا محكوماً بالقواعد المنظمة للوظيفة التنفيذية. وحتى قبل توليه منصبه الوزارى، فقد عمل المستشار مجدى العجاتى مستشاراً قانونياً للعديد من الجهات الحكومية، على سبيل الندب، ولا بد أنه قد تعرض بمناسبة هذا العمل للعديد من الحالات التى ربما يكون قد نصح فيها المسئول الحكومى بسحب القرار الإدارى. ومن ثم، كان الأجدر والأولى بالوزير أن يستحضر ما استقرت عليه أحكام القضاء الإدارى من جواز سحب القرار الإدارى، ولو كان صحيحاً، بدلاً من استحضار أحد المبادئ الحاكمة للوظيفة القضائية، والتى لم يعد لها مجال أو محل. ولو كان الوزير يريد أن يظل أسيراً لهذه القاعدة، لكان الأجدر والأولى به أن يبقى فى وظيفته القضائية وأن يمتنع عن قبول منصبه الحكومى، لاسيما أن تشريعات السلطة القضائية تجعل انتهاء ولايته القضائية، من خلال إسناد منصب حكومى له، منوطاً بإرادته وموافقته.

    وعند تحليل شخصيات الرؤساء من ذوى الخلفية القانونية، وبيان مدى تأثير الدراسة عليهم، ينبغى التحرز وعدم النظر إلى دارسى القانون ككتلة واحدة. إذ يمكن أن تختلف شخصياتهم باختلاف الجامعات التى تلقوا فيها تعليمهم الجامعى. ففيما يتعلق بكليات القانون الفرنسية، لا يمكن بأى حال من الأحوال التسوية بين خريجى جامعة «السوربون» وبين خريجى جامعة «بانتيون أساس». إذ من المعروف على نطاق واسع أن «السوربون» أقرب فى طريقة التفكير من التيار الاشتراكى، بينما «بانتيون أساس» أقرب إلى الاتجاهات اليمينية. وفيما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية، ينبغى التمييز بين خريجى جامعة هارفارد الذين يغلب عليهم الطابع العملى، وبين خريجى جامعة «ييل» الذين يغلب عليهم الطابع الأكاديمى النظرى.
    karem bdr
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع اسرار نيوز .

    إرسال تعليق