إعلان في الرئيسية

أخبار حصرية

إعلان أعلي المقال

أخبارمقالات أخبارمقالات

رأفت النيداني يكتب القانون برىء من ذنب المرشح السجين


فى العشرين من يونيو 2019م، استيقظ الشارع التونسى على حزب جديد انضم إلى المشهد السياسى، وحمل اسم «السلم الاجتماعى» لمؤسسته هدى الكنانى، وبعد خمسة أيام من إعلان تأسيسه، تغير اسمه إلى «قلب تونس» وأصبح المؤسس الجديد هو رجل الأعمال المشهور نبيل القروى، مالك قناة «نسمة». وفى الشهر التالى لتأسيس حزبه الجديد، أعلن «القروى» خوض حزبه الانتخابات البرلمانية، ثم ترشّح هو نفسه فى شهر أغسطس 2019م للانتخابات الرئاسية.

وقُوبل الصعود السريع لحزب «قلب تونس» فى المشهد السياسى بتوجيه تهمة غسل الأموال إلى رئيسه نبيل القروى، مع اتخاذ بعض الإجراءات القضائية ضده، ومنعه من السفر وتجميد ممتلكاته، والسبب قضية قديمة تعود إلى عام 2017م. وفى الثالث والعشرين من أغسطس 2019م، وقبل عشرة أيام من بدء الحملة الانتخابية الرئاسية، صدر قرار من دائرة الاتهام بحبس المرشح الرئاسى نبيل القروى، الأمر الذى أثار تساؤلات بشأن تأثير السياسة على القضاء. ولعل ما عزّز هذه الشكوك أن كل المنظمات والأحزاب السياسية فى تونس ندّدت بحبس نبيل القروى كمرشح للانتخابات الرئاسية خلال الدور الأول، فيما عدا حركة النهضة، الأمر الذى رأى فيه البعض إشارة ضمنية إلى أن الحركة الإخوانية تقف وراء سجن رئيس حزب قلب تونس. ولم يقتصر الأمر على حبس نبيل القروى احتياطياً على ذمة الاتهامات المنسوبة إليه، وإنما امتد إلى حرمانه من التصويت فى الانتخابات الرئاسية، التى كان أحد مرشحيها. ويرى البعض أن التوقيت المريب لاتهام وتوقيف «القروى» بقضية قديمة كان شاهداً فيها، وليس متهماً، أكسبه نوعاً من التعاطف، الأمر الذى جعله يحل فى المركز الثانى بالجولة الأولى للانتخابات الرئاسية.

ويمتلك نبيل القروى تليفزيون «نسمة»، وهو منفذ إخبارى تونسى يحظى بنسبة متابعة كبيرة، وتبث المحطة التليفزيونية محتوى داعماً لحزب «قلب تونس»، ومكنت القناة المرشح الرئاسى من توصيل صوته إلى الفقراء والمهمّشين. وليس لتليفزيون «نسمة» ترخيص رسمى، لكن «القروى» تجاهل أوامر السلطات المنظمة لوسائل الإعلام فى تونس بالتوقف عن البث، وقال إن هذه المطالب لها دوافع سياسية. وقضت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بأن من حق «القروى» استخدام تليفزيون «نسمة» غير المرخّص، وأن ذلك لا يُعد إخلالاً يستوجب شطبه من قائمة المرشحين.

وقد تقدّم محامو «القروى» إلى الجهات القضائية بثلاثة طلبات للإفراج عن المرشح المحبوس، إلا أن هذه الطلبات تم رفضها جميعاً، وكان آخر هذه القرارات صادراً من محكمة الاستئناف، حيث قضت برفض الطلب المقدّم إليها، بحجة عدم الاختصاص. وأحدث إيقاف «القروى» حالة من الإرباك فى مسار الانتخابات، وبدأ الحديث عن تكهنات بانسحاب المرشح الرئاسى المحبوس من الجولة الثانية للانتخابات، أو إمكانية الطعن فى النتائج النهائية، بسبب غياب مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين.

وأخيراً، وفى يوم الأربعاء الموافق التاسع من أكتوبر 2019م، وقبل أربعة أيام من الموعد المحدّد لإجراء الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، قررت محكمة التعقيب (تعادل محكمة النقض فى النظام القضائى المصرى) الإفراج عن المرشح المحبوس، بعد أن أمضى 46 يوماً خلف القضبان. فقد قضت المحكمة الكائنة على قمة القضاء فى تونس الخضراء، بقبول الطعن المقدّم من محاميى المرشح الرئاسى شكلاً ومضموناً، ونقضت قرار دائرة الاتهام. وقد علقت بعض وسائل الإعلام على قرار محكمة التعقيب، بالقول إن: «محكمة تونسية تنقذ الانتقال الديمقراطى بالإفراج عن (القروى)». وقد حاول البعض خلال أزمة حبس نبيل القروى الإيحاء بأن المشكلة الأساسية تكمن فى أن القانون لم ينظم هذا الوضع الجديد على الساحة السياسية التونسية والعربية بأن يقبع أحد المرشحين للانتخابات الرئاسية خلف القضبان. والواقع أن القانون برىء تماماً من هذه الأزمة، حيث تقضى المبادئ القانونية المستقرة بأنه «لا حرمان إلا بنص». وكذلك، فإن المبدأ الذى تقوم عليه النظم القانونية المعاصرة هو أن «الأصل فى الإنسان البراءة». وما دام لم يصدر حكم بالإدانة ضد أى شخص، فإن من حق هذا الشخص الاقتراع والترشّح. وقد أعملت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات هذا المبدأ، فسمحت بإدراج اسم نبيل القروى ضمن قوائم المرشّحين، بينما حرمت السلطات المرشح من حق الاقتراع. ودعت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أيضاً إلى تمكين القروى من خوض حملته بشكل متكافئ، الأمر الذى لم يجد استجابة من السلطات القضائية التونسية. كذلك، فإن الحبس الاحتياطى كإجراء جنائى مرهون بتوافر شروط معينة مرتبطة بمصلحة التحقيق وضروراته، ولا يجوز اللجوء إليه أو الاستمرار فيه متى انتفت هذه الشروط. ولكل ما سبق، يبدو مستساغاً القول إن القانون برىء من هذه الأزمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *