رأفت النيداني يكتب القانون المدني والسياسة.

رأفت النيداني يكتب القانون المدني والسياسة.

    العلاقة بين القانون والسياسة لا تتوقف عند حدود القانون الجنائى، وإنما تمتد إلى غيره من فروع القانون، ومن بينها القانون المدنى. وللتدليل على ذلك، يمكن الإشارة إلى مبدأين من المبادئ الستة لثورة يوليو 1952م، وهما: القضاء على الإقطاع، وإقامة عدالة اجتماعية. ورغم أن النص على المبدأين قد ورد بشكل يفصل كلاً منهما عن الآخر، فإن ثمة ارتباطاً كبيراً بينهما، حيث المقصود بالإقطاع هو كبار ملاك الأراضى الزراعية الذين كانوا يحتكرون الأرض والحياة السياسية فى البلاد، الأمر الذى استدعى الحديث على نطاق واسع عن سوء توزيع الملكية الزراعية فى البلاد. وهكذا، ولتحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الإقطاع، وفى التاسع من سبتمبر 1952م، أى بعد خمسة وأربعين يوماً فقط على قيام الثورة، صدر قانون الإصلاح الزراعى، والهدف الأساسى من هذا القانون هو إعادة توزيع ملكية الأراضى الزراعية فى مصر بحد أقصى 200 فدان للفرد. ومن هنا، جاء الاحتفال بعيد الفلاح فى التاسع من سبتمبر من كل عام، تزامناً مع صدور أول قانون للإصلاح الزراعى، واحتفالاً بما ترتب عليه من تمكين الفلاح من الأرض. إذ ينص القانون على تحديد الملكية الزراعية للأفراد، وأخذ الأرض من كبار الملاك، وتوزيعها على صغار الفلاحين المعدمين. وقد أحدث هذا القانون وما تلاه من قرارات أخرى عملية تحول كبرى فى الريف المصرى، ويكفى للدلالة على نتائج وتداعيات تلك القرارات على الاقتصاد الوطنى أنه خلال الفترة من 1952م وحتى 1970م تم توزيع نحو 818 ألف فدان على نحو 342 ألف أسرة تضم 1.7 مليون فرد، وذلك طبقاً لما هو منشور على موقع الهيئة العامة للاستعلامات.

    ولما كان معروفاً عن الرئيس الليبى الراحل معمر القذافى إعجابه الشديد بشخصية الرئيس المصرى الراحل جمال عبدالناصر، فقد حاول السير فى الاتجاه ذاته. وقد تجسّد ذلك فى أربع عبارات منسوبة إلى العقيد معمر القذافى، ووردت الإشارة إليها فى «الكتاب الأخضر»، الذى قام بتأليفه لبيان فلسفته فى الحكم، على غرار كتاب «فلسفة الثورة»، الذى قام جمال عبدالناصر بتأليفه. وهذه العبارات الأربع هى: «البيت لساكنه»، «الأرض لمن يزرعها»، «السيارة لسائقها»، «شركاء لا أجراء». وتنفيذاً لذلك، وفى السادس من مايو 1978م، صدر القانون رقم (4) لسنة 1978م بتقرير بعض الأحكام الخاصة بالملكية العقارية. وتخول المادة الأولى من هذا القانون «لكل مواطن بلغ سن الرشد الحق فى تملك مسكن، بشرط الإقامة فيه أو حيازة قطعة أرض صالحة لبناء مسكن عليها».

    فى المقابل، ووفقاً للمادة الرابعة من القانون ذاته، «لا يجوز للمواطن ولو كان متزوجاً بأكثر من امرأة واحدة تملك أكثر من مسكن أو حيازة أكثر من قطعة أرض صالحة لبناء مسكن عليها». وقد ترتب على هذا الحظر مصادرة الكثير من المبانى المعدة للسكن والأراضى الصالحة للبناء، وأيلولتها إلى الدولة، بقصد إعادة تمليكها للمواطنين المستحقين، وذلك على حد تعبير المادة الثالثة من القانون.

    ومع ظهور سيف الإسلام القذافى على المسرح السياسى الليبى، قام بالترويج لنفسه كوريث محتمل لوالده، وذلك من خلال برنامج إصلاحى ليبرالى، حيث شكل لجاناً لتعويض الملاك السابقين الذين تضرروا من القانون رقم (4) لسنة 1978م، والمعروف شعبياً وإعلامياً باسم «قانون البيت لساكنه». ويمكن الزعم بأن الخط السياسى لسيف الإسلام القذافى كان يسير فى اتجاه دعم حرية تملك أكثر من مسكن، انسجاماً مع دعوته آنذاك إلى التحول من «ليبيا الثورة» إلى «ليبيا الدولة».

    وهكذا، ومن خلال العرض السابق، يبدو جلياً التأثير الواضح للظروف السياسية على التشريعات المنظمة لحق الملكية، منظوراً إليه باعتباره أهم الحقوق العينية الأصلية وعماد القانون المدنى فى العالم المعاصر.
    karem bdr
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع اسرار نيوز .

    إرسال تعليق