اللقاء الأخير ..قصة قصيرة بقلم عبير عبد الرحمن

 اللقاء الأخير ..قصة قصيرة بقلم  عبير عبد الرحمن

     مشت بخطوات مترددة تجذبها رائحة البحر ويحفزها هدير أمواجه متجهة نحو ذلك المقهى الشامخ تحت المطر الذى لم تتغير ملامحة طوال العشرون سنة الماضية كانت تمر امامه يوميا لكنها لم تجرؤ على دخولة أو الإقتراب منه  طيلة هذة السنوات ربما لأنه يذكرها بضعفها وإنهزامها أو ربما لأنها تخشى أن تذكر وجهه المبتسم تحت الألم وعيناه الدامعة وهى تودعه داخل ذلك المقهى . لكنها اكملت السير نحوه بإصرار يغلب ترددها فاليوم ترغب أن تسترجع تلك الذكريات وترغب أن تشتم فى هواء ذلك المكان انفاس حبها الاخيرة التى لفظها هناك برغم مرور تلك السنوات ورغم انها هى من أنهت تلك العلاقة الا أنها لم تستطع أن تتخلص من أنقاض ذلك الحب فى نفسها حتى بدا لها أنة يتماسك فى قلبها بمرور السنوات حتى أصبح راسخا فى اعماقها كالصخرة العملاقة لا يمكنها حملها ولا يمكنها رميها حتى باتت تأن تحت ذلك الحمل لم تكن تعرف هل تلك الألام لأن حبها لم يكتمل أو لأنها هى من أنهته بضعفها وإستسلامها لرغبة والدتها النى رفضت ذلك الحب وحاربتة بكل قوتها لأنها لم تجد ظروفة المادية والإجتماعية مناسبة لإبنتها الفاتنة ذات الحسب والنسب .
    إقتربت من باب المقهى ودفعتة وإندفعت الى الداخل بسرعة خشية أن يغلبها الشجن وتتراجع ولوهلة انعدمت الرؤية الا من بحثها على تلك المنضدة القريبة من الشرفة المطلة على البحر والتى اعتادا قديما  الجلوس بها  كان المقهى خاليا من الرواد فى ذلك الوقت من فصل الشتاء وفى ذلك اليوم الممطر وبرغم تغير ديكور المكان بعد كل هذا الزمن وتغير الأشخاص إلا أنها ألفت المكان وإتجهت الى تلك المتضدة وأدارت وجهها نحو البحر وكأنها تستجير به من ألم أصاب قلبها وتذكرت كيف أنها قابلته فى ذلك المكان وعلى نفس المنضدة وأخبرتة عن رفض أسرتها له ورغبتها فى الإنفصال وكيف إنسحب من حياتها بهدوء وكبرياء لم يقاوم ولم يحارب لتعدل عن قرارها لكنها لم تغضب منه كانت تعلم مدى عزة نفسة ومدى قهره تحت حمل اليتم ومسؤوليتةعن شقيقتين وأم مريضة ليس لهم سواه ودخل قليل جدا لم تنسى كلماتة لها عندما إعترف لها بمشاعرة فى السنة الجامعية الأخيرة لهم  قائلا " لا أعرف إن كان من حقى وأنا بتلك الظروف أن يخفق قلبى لحب أجمل وأرق بنت فى الدفعة لكنه قدرى أن يحمل قلبى هما أخر إن وافقتى هما وإن رفضتينى هماً أخف " لم تقاوم صدقة ووسامتة ولما كانت معجبة به إندفعت بمشاعرها موافقة متناسية طموحات أمها ومتناسية ظروفة القاسية ربما لظنها وقتها أن الحب وحده يكفى .لكنها أفاقت على الواقع ورضخت بضعف لضغوط أمها وأنهت علاقتهم لكنها رفضت بعناد الإرتباط بغيرة وبعد فترة تزوجت أختها الوحيدة وتوفى والدها وبعده بشهور قليلة توفيت والدتها وأصبحت فى لحظة وحيدة إلا أن ذلك لم يثنيها عن رفض الزواج رغم أنها حاولت البحث عنه فعلمت أنه يعمل فى الخارج وتحسنت حالتة المادية وزوج شقيقتيه وخطبت امه له إحدى قريباتها قبل أن يتوفاها الله قطع شريط ذكرياتها صوت النادل يسألها ماذا تشرب طلبت قهوه مظبوطه كما كانت تطلبها سابقاً عندما كانا يتلاقيا فى نفس المكان إنه نفس المكان الذى شهد لقاءات الحب المسروقة  بعيدا عن عيون الزملاء وشهد إنفصالهم ونهاية أيامها الجميلة أحضر النادل القهوة وإختلطت رائحة القهوة برائحة البحر ورائحة المطر بمزيج مؤلم من الذكريات التى أفاضت عبرات تساقطت من عينيها رغما عنها ونظرت نحو البحر بعيون غائمة وأنفاس مقطوعة تلتجأ لهديرة ليخفى صوت دقات قلبها المكسور مواسية نفسها قائلة لعله تزوج وأنجب على الأقل أحدنا سعيداً وبينما تتأمل فنجان القهوه وهو يلفظ أنفاس حرارتة بأبخرة تتلوى فى الهواء القريب منه كأنها أشباح فجأة سمعت صوتاً لوهلة ظنت أنه منبعث من خيالها المعبق بالذكريات لكن سرعان ما تأكدت أن ذلك الصوت حقيقى إرتجف داخلها لكنها لم تصدق نفسها عندما نظرت نحو مصدر الصوت وإذ بها أمامه رجل أربعينى وسيم بمعطف أنيق وترحيب أصحاب المكان به يدل على معرفة مسبقة هو نعم إنه هو وكإنه إنبعث من الذكريات بعد كل ذلك الوقت يلتقيا وفى نفس المكان عرفها وإتجه مباشرة نحوها
    وكأنه كان على موعد معها وبدأ حديثة معها بصدقة المعتاد متسائلاً  أنتى وهنا وبعد كل ذلك الوقت واليوم بالتحديد يا له من قدر ؟ صمتا للحظة وكل منهم ينظر للآخر نظرة تحمل شوق السنين نظرتها شوق ممتزج بندم ونظرتة شوق ممتزج بعتاب وغضب وكأن هاتف أشار لكليهما فى نفس الوقت توجهت العين الى اليد ليلاحظ كل منهم عدم وجود خاتم زواج فى يد كل منهما وتساؤل حائر متردد فى الخروج فى نفس اللحظة تزوجتى ؟ ......تزوجت أنت ؟ لتخرج إجابتة قاتلة لها لم أتزوج .تسائلت كيف وقد علمت خطبتك  ؟ صرعتها الإجابة وزادت من
     شعور الندم لم أستطيع أن أخدع نفسى وفتاة بريئة
    وأتزوج وقلبى ليس ملكى وأنتى لما لم تتزوجى أما إنفصلتى لترتبطى بشخص لائق بك وبعائلتك؟ لم تجب   وانهمر شلال الدموع ربما ليعبر عن ما بداخلها  من ألم جلس على المقعد المقابل وخيم صمت لفترة طويلة الا من صوت الأمواج وأنفاسهم المتوترة قطعة سؤالها كنت تتردد على هذا المكان كثيرا كما يبدو ؟ حرك رأسة موافقاً كنت أحلم أن أصادفك مرة بينما أتنفس فى هذا المكان من رائحتك والذكريات .
    لماذا أنتى هنا اليوم وبعد هذا العمر ..؟
    أجابت لعلها إستجابة للرغبة الأخيرة لشخص محكوم عليه بالإعدام أتيت اودع مكان مهم فى حياتى فشاء الله أن أودع من جعل لهذا المكان قيمة كأنها تحقيق لأخر أمنياتى فى الحياة صمتت ثم تنهدت وأكملت بهدوء وصراحة غدا أولى جلسات العلاج بالإشعاع لأنى مريضة كانسر فى حالة متأخرة  مررت أودع ذكرى حبى
    إنطلق ضاحكاً باكياً فى آن سبحان الله غداً أبدأ أنا أيضاً أولى جلسات نفس العلاج وفى نفس المكان .
    صمتا وتحدثت العيون والعبرات والانفس اللاهثة ثم تحدثا مطولا وتلاقت الأيدى وخرجا تحت المطر وتناسى كل منهم سنه ومرضة ورجع البريق للعيون والأمل على الوجوه أوصلها الى  باب العمارة مودعاً على وعد باللقاء فى غرفة العلاج بالإشعاع فى المستشفى الشهير  وفرحتهم بالتلاقى أنستهم المرض وبدأ الأمل يغلب الألم .
    karem bdr
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع اسرار نيوز .

    إرسال تعليق