رأفت النيداني يكتب رجل من الماضى.

رأفت النيداني يكتب رجل من الماضى.
    «رجل من الماضى» هو اسم مسلسل درامى لبنانى، تم بثه فى العام 2004م، يروى قصة فتاة فقيرة تقع فى غرام شاب غنى ليبدأ صراع محوره الطبقة الاجتماعية يؤدى إلى استسلام الفتاة للإدمان وغرقها فى المشاكل، ويبدو أن وصف «رجل من الماضى» ينطبق على الرئيس التركى الحالى أكثر من غيره، ففى لقاءاته الدورية مع المخاتير الأتراك، وفى أحاديثه المتكررة مع أعضاء حزبه العدالة والتنمية الحاكم، قال الرئيس التركى أكثر من مرة إن حكومته تخطط لما بعد عام 2022م، مشيراً بذلك إلى نهاية معاهدة 1923م، التى أنشأت تركيا فى شكلها وحدودها الحالية، مؤكداً تحرر الدولة التركية من القيود التى فرضت عليها بموجب المعاهدة، واسترجاع حقها فى التنقيب عن النفط والتحكم فى مضيق البوسفور، ومطالباً بتعديل حدودها لتتفق مع حدود الدولة العثمانية قبل سقوطها، وفى معرض تفاخره بإرسال جنود أتراك إلى الأراضى الليبية، بعد مذكرة التفاهم المبرمة بينه وبين فائز السراج، قال الرئيس التركى إن مليون ليبى من أصول تركية يستحقون دعمنا والتدخل لنجدتهم والوقوف إلى جانبهم. وبالتزامن مع هذه الادعاءات، أصدر بعض رجال القانون الأتراك دراسات تؤكد حق بلادهم فى المطالبة بإرثها القديم من الأراضى التى خضعت سابقاً للدولة العثمانية، باعتبار أن مدة معاهدة لوزان المبرمة بين تركيا ودول الحلفاء المنتصرة فى الحرب العالمية الأولى كانت 99 عاماً فقط، وبعد تجاوز تلك المدة تنتهى كل القيود، ويمكن أن تفسر لنا هذه التصريحات والدراسات مجمل السياسات التركية فى المنطقة، من العراق شرقاً وتحديداً منطقة الموصل، مروراً بسوريا وعلى وجه التحديد مدينتا حلب وإدلب، ثم قبرص واليونان على الشواطئ الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، وصولاً إلى ليبيا فى الجنوب الغربى. وهكذا، ورغم مرور ما يقرب من مائة عام على معاهدة لوزان، فإن هذه المعاهدة قد عادت إلى دائرة الضوء بسبب تصرفات أردوغان الحمقاء. ربما يكون له بعض الحق فيما يتعلق بقضية مضيق البوسفور وتحصيل رسوم من السفن المارة فيه، ولكن أن تصل به الأوهام إلى المطالبة بمراجعة اتفاقية لوزان واستعادة الأراضى التى تنازلت عنها، فذلك ضرب من الجنون، ففى ظل عالم يعترف بحق الدول فى تقرير مصيرها، يغدو من غير المعقول أن يطالب السلطان التركى باستعادة السيادة على الإرث القديم من الأراضى التى خضعت سابقاً للدولة العثمانية، ورداً على هذه المزاعم والأوهام، يمكن القول إن أحد المبادئ التى استقرت عليها الأمم المتمدينة هو أن الاحتلال جريمة يستوجب الاعتذار، فعلى سبيل المثال، وفى العام 2008م، طالب عبدالعزيز بلخادم، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطنى الجزائرى، الجمهورية الفرنسية «بالاعتذار والتعويض عن الجرائم الوحشية والإبادة الجماعية التى ارتكبها الاستعمار الفرنسى طيلة 132 سنة بحق الشعب الجزائرى»، وكان الرئيس الفرنسى السابق نيكولا ساركوزى قد ندد خلال زيارة إلى الجزائر فى ديسمبر عام 2007م بالنظام الاستعمارى، ولكنه رفض فكرة الاعتذار، وفى العام 2018م، أقر الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون بأن بلاده أسست نظاماً أدى إلى استخدام التعذيب خلال فترة المقاومة الجزائرية من أجل الاستقلال قبل ستين عاماً، وفيما يتعلق بالمنطقة العربية أيضاً، وفى العام 2008م، اعتذر رئيس الوزراء الإيطالى السابق سيلفيو برلسكونى عن ماضى إيطاليا الاستعمارى فى ليبيا، ووقع اتفاقيات لمشاريع استثمارية بقيمة خمسة مليارات دولار فى ليبيا. وبدوره، عبر رئيس الوزراء اليابانى الحالى شينزو آبى عام 2015م عن «أسى عميق» بشأن الأفعال التى قامت بها بلاده فى الحرب العالمية الثانية، واعتاد رؤساء الوزراء السابقون أن يقدموا بياناً كل عقد، للاعتذار عما قامت به اليابان من أفعال خلال الحرب العالمية الثانية بحق دول مجاورة. وفى عام 2016م، نسبت صحيفة التلجراف البريطانية لمسئولين هنود رفيعى المستوى القول إنه على بريطانيا الاعتذار عن ماضيها الاستعمارى فى الهند. وفى فبراير 2019م، دعت الأمم المتحدة بلجيكا للاعتذار لشعب الكونغو عن الماضى الاستعمارى. إن عالم اليوم يتحدث كله بلغة واحدة، مفادها أن احتلال أراضى الغير بالقوة جريمة تستوجب الاعتذار وطلب الصفح والعفو من الشعوب التى كانت ترزح تحت الاحتلال. وحده أردوغان ما زال يتحدث لغة القرون الوسطى، محاولاً استرجاع ما فات، ومدعياً حقاً تاريخياً فى الدول التى كانت تحت الاحتلال العثمانى.
    karem bdr
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع اسرار نيوز .

    إرسال تعليق