إعلان في الرئيسية

أخبار حصرية

إعلان أعلي المقال

احبارمقالات احبارمقالات

رأفت النيداني يكتب مصر العظيمة ليست قُطراً

يشهد العالم العربى منذ عام 2010م ما يمكن تسميته «إعادة توصيف» للمرحلة العثمانية فى تاريخه، وكانت البداية من مصر، حيث تم تنقيح مناهج مادة الدراسات الاجتماعية أو التاريخ التى يتم تدريسها فى المدارس الابتدائية، التى كانت تستخدم عبارة «الفتح العثمانى لمصر»، وتم استبدالها بـ«الحكم العثمانى لمصر». وفى شهر ديسمبر الماضى، وعلى أثر عرض المسلسل التليفزيونى «ممالك النار»، حدثت ضجة كبيرة من أولياء الأمور غضباً من توصيف الحقبة العثمانية فى التاريخ المصرى بوصف «الفتح»، وليس «الاحتلال» أو «الغزو»، الأمر الذى استدعى خروج وزير التعليم الدكتور طارق شوقى بتصريح، نافياً وجود جملة «الفتح العثمانى لمصر» بمناهج الابتدائية، مؤكداً أن مناهج التاريخ تتسم بالموضوعية، ولا تعكس أى توجهات، موثقاً كلامه بصور من صفحات كتاب الدراسات الاجتماعية المقررة على الطلاب.
والواقع أن الصفحات التى استشهد بها وزير التعليم قد تضمنت عبارات: «الحكم العثمانى»؛ «امتداد الدولة العثمانية فى العالم العربى»؛ «دخول العثمانيين إلى مصر»؛ «نظام الحكم العثمانى فى مصر». وهكذا، تفادت المناهج الدراسية استخدام عبارة «الاحتلال العثمانى لمصر» أو «الغزو العثمانى لمصر». وإذا كانت هذه الصفحات قد أشارت إلى بعض مساوئ الحكم العثمانى، فإن ذلك يمكن أن يحدث أيضاً فى وصف بعض فترات الحكم الوطنية. ولذلك، نرى أن هذه الإشارة ليست كافية، وكان ينبغى وصف الحكم العثمانى صراحة بوصف «الاحتلال»، و«الغزو»، دونما مواربة.
إن إعادة تنقيح المناهج الدراسية لتفادى مثل هذه الأمور تبدو ضرورية، لا سيما أن المادة التاسعة عشرة من الدستور المصرى الحالى تحدد هدف النظام التعليمى ببناء الشخصية المصرية والحفاظ على الهوية الوطنية وإرساء مفهوم المواطنة، بما يستلزمه ذلك من تعزيز الانتماء إلى الوطن وتربية النشء على رفض كل تدخل خارجى فى شئوننا، سواء كان ذلك فى الماضى أو الحاضر أو المستقبل، وأياً كان شكل هذا التدخل أو مصدره أو الشعارات والمزاعم التى يرفعها.
وما دمنا نتحدث عن الدستور، فإن الحديث يقودنا إلى قانون العقوبات المصرى الحالى رقم (58) لسنة 1937م، والذى ما زال يستخدم تعبير «القطر المصرى» (المواد الأولى والثانية والثالثة). وغنى عن البيان أن لفظ «القطر» (بضم القاف وسكون الطاء)، وجمعه «أقطار»، هو الناحية أو الجهة أو الجانب، ومنه قيل «القطر» لجملة من البلاد والنواحى تتميز باسم خاص. وهكذا، فإن كلمة «القطر» تشير إلى الانتماء إلى كيان أكبر، ويرجع استخدام هذا اللفظ إلى فترة الاحتلال العثمانى لمصر. وإذا كان قانون العقوبات المصرى قد صدر سنة 1937م، أى بعد انتهاء الحكم العثمانى لمصر رسمياً ودخولها تحت الاحتلال العثمانى، فإن إجماع فقهاء القانون الجنائى المصرى منعقد على أن ظروف السرعة التى صاحبت إصدار هذا القانون أدت إلى اعتماده أساساً على قانون العقوبات الأهلى الصادر سنة 1904م، أى إبان فترة الاحتلال العثمانى. ولذات السبب أيضاً، يمكن أن نفهم سبب استخدام قانون العقوبات المصرى حتى تاريخه عبارة «الجرائم المخلة بأمن الحكومة من جهة الداخل» و«الجرائم المخلة بأمن الحكومة من جهة الخارج»، وذلك بدلاً من عبارتى «الجرائم المخلة بأمن الدولة من جهة الداخل» و«الجرائم المخلة بأمن الدولة من جهة الخارج»، والتى تجمع التشريعات العربية الأخرى جميعها على استخدامها. فقد كان المقصود إذن هو تفادى استخدام وصف «الدولة»، باعتبار أن الإقليم المصرى آنذاك كان يشكل جزءاً أو قطراً عثمانياً.
إن إسباغ وصف «الاحتلال» على الحقبة العثمانية هو أول خطوة فى الرد على جنون أردوغان (وهذا هو النطق السليم لاسمه)، تمهيداً لمطالبة الحكومة التركية بالاعتذار عن الفظائع التى ارتكبها أجدادهم فى بلادنا ومطالبتهم بالتعويض عن كل ما سبّبوه من أضرار فى الدول العربية. إن «قردوغان» مطالب باعتذار رسمى عن جرائم أجداده، وسكوتنا عن المطالبة بذلك هو الذى دفع هذا المتهور المجنون إلى أن يدّعى لنفسه حقاً فى الدفاع عن أحفاد العثمانيين فى ليبيا، وذلك على حد زعمه. ونعتقد من الضرورى أيضاً أن يبادر مجلس النواب المصرى إلى تنقيح قانون العقوبات على وجه عاجل، من خلال تعديل تشريعى عاجل باستخدام عبارة «الدولة المصرية» بدلاً من كلمة «القطر» أينما وردت فى هذا القانون.
ورسالة أخيرة أرى من الواجب توجيهها إلى «قردوغان»، وهى أن مصر البلد الوحيد الذى ورد ذكره فى الكتب السماوية «القرآن والإنجيل»، وإذا كان يدعى الإسلام فينبغى عليه أن يتأدب عند الحديث عن مصر وشعبها وقيادتها، حفظ الله مصرنا الحبيبة من كل سوء وأدام عزها ومجدها بين الأمم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *