رأفت النيداني يكتب القانون والجغرافيا وجمال حمدان.

رأفت النيداني يكتب القانون والجغرافيا وجمال حمدان.

    ارتبطت «الجغرافيا» لدى النخبة المصرية والعربية بشخصية الدكتور «جمال حمدان»، بحيث إن اسم الراحل الكبير يقفز إلى الذهن مباشرة بمجرد سماع لفظ «الجغرافيا». وقد عبر عن ذلك الكاتب البحرينى الدكتور حسن مدن أصدق تعبير، قائلاً إن «جمال حمدان عنوان الجغرافيا»، ومؤكداً أن «أهمية ومكانة حمدان البحثية تجلت أكثر ما تجلت فى تحليله لشخصية مصر، لا بمنهج رجل الجغرافيا التقليدى الذى لا يحسن سوى ترداد معلومات متواترة عن تضاريس الموقع وطبيعة المناخ وما إلى ذلك، وإنما برؤية العالم المتمكن من مناهج وحقول البحث المختلفة فرأى كل ذلك فى سياق التحولات الاجتماعية والسياسية، بحيث يمكننا القول إنه أنزل الجغرافيا من برجها العاجى وأحضرها للحياة». لقد أحسن القائمون على معرض القاهرة الدولى للكتاب باختيارهم «جمال حمدان» شخصية الدورة الأخيرة من المعرض. وكم كان جميلاً أن تعلن هيئة الكتاب قائمة الكتب الأكثر مبيعاً فى المعرض، متصدرة إياها موسوعة «شخصية مصر» للراحل الكبير. والأجمل من ذلك هو أن تعمل وزارة التربية والتعليم على تكريس منهج جمال حمدان العلمى، بحيث يتم تحويل المنهاج الدراسى لمادة الجغرافيا إلى كائن حى مرتبط بكافة التخصصات العلمية الأخرى. فالجغرافيا على قدر كبير من الأهمية لرجل السياسة، حيث تؤثر الجغرافيا على السياسة وتتأثر بها، الأمر الذى يبدو جلياً فى تخصص «الجغرافيا السياسية»، التى تعنى بتحليل العلاقات السياسيَّة على ضوء الأوضاع على الأرض، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجغرافيا لا تعنى مظاهر السطح فحسب، بل تشتمل على أنماط الحركة والانتقال. وتكتسب الجغرافيا أهمية كبيرة أيضاً فى الخطط العسكرية واستراتيجيات الدفاع والأمن القومى. كذلك، لا يمكن لرجل الأمن أن يقوم بدوره على الوجه الأكمل دون الإلمام التام بحقائق الجغرافيا ومراعاتها عند إعداد الخطط والاستراتيجيات الأمنية. وقد بدأ الحديث مؤخراً فى دول العالم المتقدم عن كيفية استخدام نظم المعلومات الجغرافية فى كشف الجرائم. أما الأطباء، فلا بد أنهم يدركون أهمية الجغرافيا فى المجال الطبى، حيث يتم الحديث عن «الطب المدارى» أو «طب المناطق المدارية» أو «طب المناطق الحارة»، وهو فرع من فروع الطب يهتم بالصحة العامة للمجتمع فى المناطق الحارة والاستوائية المتميزة بمناخها الحار ورطوبتها ومواسم الأمطار المهيئة لظهور الأوبئة والأمراض مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة فى هذه المجتمعات. وفيما يتعلق بالدراسات القانونية، لا يجوز أن تبقى حقائق الجغرافيا غائبة عن عقل وفكر رجال القانون، وليس معقولاً ولا مستساغاً أن تظل نظم المعلومات الجغرافية (GIS) بعيدة عن اهتمام البرلمانات وكليات القانون. لقد بدأ العديد من المؤسسات التشريعية الأجنبية والعربية فى الاهتمام بنظم المعلومات الجغرافية، فعمدت إلى تنظيم جمعها وحمايتها وصيانتها وتصنيفها وتوفيرها لأى جهة راغبة فى الاستفادة منها. بقى أن نشير أخيراً إلى أن «جمال حمدان» كان مؤمناً بأن مصر، أقدم وأعرق دولة فى الجغرافيا السياسية للعالم، غير قابلة للقسمة على اثنين أو أكثر مهما كانت قوة الضغط والحرارة. مصر هى «قدس أقداس» السياسة العالمية والجغرافيا السياسية، كما اشتهر جمال حمدان بدفاعه عن القومية العربية، حيث يقول: «إلى الآن، الحقيقة المحورية الوحيدة التى تدور حولها الحياة السياسية والوجود السياسى فى العالم هى: القومية لا بديل عنها ولا مفر منها ولا مبيد لها... كقطعة الفلين على الماء، مهما غمرتها بالقسر فى غياهب الماء تطفو إلى السطح حتماً.. القومية هى سنة الحياة السياسية». وفى اعتقادنا أن الأمن القومى المصرى والعربى صنوان لا ينفصلان، فلا حياة للعالم العربى دون مصر القوية، ولن تستطيع مصر أن تعيش هانئة مطمئنة فى حدودها الجغرافية دون عالم عربى آمن ومستقر. إن أول قانون للجغرافيا، وفقاً لعالم الجغرافيا الأمريكى السويسرى الراحل عن عالمنا مؤخراً «والدو رودلف توبلر»، هو: «كل شىء يرتبط بكل شىء آخر ولكن الأشياء الأقرب ترتبط أكثر من الأشياء البعيدة». ولا يوجد أقرب إلينا من عالمنا العربى. وثمة قانون آخر منسوب إلى «توبلر» أيضاً، وهو أن «الظواهر التى تقع خارج المنطقة الجغرافية محل الاهتمام تؤثر بلا شك على ما يجرى داخلها». وما دام الأمر كذلك، فإن مصر لا يمكن أن تعيش بمعزل عن محيطها الجغرافى والإقليمى. الجغرافيا إذن هى الحياة. حفظ الله مصرنا والعالم العربى من كل سوء.
    karem bdr
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع اسرار نيوز .

    إرسال تعليق