فيروس كورونا بين الشماتة والانتقام .. والقيم الإنسانية في رمضان

فيروس كورونا بين الشماتة والانتقام .. والقيم الإنسانية في رمضان


    بقلم دكتور : عصام كمال المصري .

    شكّل وباء كورونا وانتقاله من موطنه الأصلي في الصين ليضرب أوربا ومدنها وعواصمها بتلك السرعة المخيفة ، مادة خصبة للتشفي والشماتة والحقد علي الغرب ، ولكن حينما ضرب الوباء المجتمعات شرقاً وغرباً ولم يترك حتى الأماكن المقدسة ردد البعض : أن ذلك اختبار لصبر المؤمن عندما يُبتَلى . 

    والحقيقة أن فيروس كورونا ليس فيروسا منحازا لملة أو دين أو مذهب أو جنس أو قومية دون أخرى أو مجتمع دون آخر ، فيروس كورونا يضرب حيث تتوافر البيئة الصالحة لحضوره وحيث قصور الإجراءات لصده ، وبالتالي فإن المجتمعات الإنسانية جمعاء وباختلاف أنظمتها السياسية وطبيعة توجهاتها معنية بعيدا عن الشماتة بتوحيد جهودها على المستوى الرسمي والشعبي للقضاء على هذا الوباء القاتل .

    وبعيداً عن الشماتة والحقد والانتقام والتشفي أقول : إن الحياة الآلية الحديثة قد جعلت من وجود المخلوق البشري وجوداً مزعزَعاً لا سَكِينَة فيه ولا تأمُّل . فالتقدم الباهر الذي وصل إليه الإنسان , لم يحقق له التوازن النفسي الذي يبتغيه , بل اهتزت القيم بداخله وتضاءلت , وأصبح كل ما يهمه هو المادة , وأصبح لا يري إلاّ ذاته , ولا يسمع إلاّ صوته , ونتيجة لهذا افتُقِدت القيم الروحية التي تحافظ علي الترابط الاجتماعي , وأصبحت النفعية هي التي تحدِّد القيم .  

     كثيرا من مشكلاتنا الاجتماعية الراهنة , تعود في النهاية - بعد تحليلها - إلي الأزمة الأخلاقية التي يعانيها عالَمُنا المعاصر , الذي تسود فيه أخلاق الأَثَرَة , وحب الذات . وإذا كنا في حالاتنا الراهنة , أَحْوَجَ ما نكون إلي بناء أمتنا علي أسس قوية , فإن ذلك لن يتأتى إلاّ إذا كانت الأخلاق العليا , والمُثُل الرفيعة , هي الأساس في هذا البناء , وإلاّ فإن مَثَلُنا يصبح كَمَثَل من يبني ناطحات السحاب علي رمال الصحراء . بل إن هذا البناء لابد أن يكون مستمَداً من شريعة الله - تعالي - لا علي أساس المنهج الذي يجعل من الإنسان شخصية هزيلة الروح . وشبحاً بعيداً عن الإنسانية والرحمة . فمتي فُقِدَتْ الأخلاق تَفَكَّك أفراد المجتمع ، وتصارعوا ، ثم أدى بهم ذلك إلى الانهيار ثم الدمار .

     والحقيقة المُرة الغائبة في موضوع العقاب الإلهي للغرب جزء من الشماتة كأحد المكوّنات النفسية للشعوب المأزومة التي أُصيبت بقلة الحيلة وانعدام الفاعلية ، ونزعت منها رسالتها ، وانحرفت بوصلتها ، فانشغلت بالشماتة والتشفي في بعضها البعض وانهمكت بغيرها من الخصوم والأعداء، بدلاً من إصلاح حالها ، واهتمت بتفسير مصائب الآخرين عوضاً عن تفسير مصائبها ، فما أغنى ذلك عنها شيئاً ، وهل تُغني الشماتة من تقدم ؟ أم يُسمن التشفي من تطور الضعيف المقهور ؟  

    أيها السادة ...لقد أطل علينا شهر رمضان الكريم حاملاً معه التغيير في كثير من أنماط وسلوكيات الحياة ، يقودنا حتماً إلى إعادة التفكير في جوانب عدة من حياتنا لأنه شهر الإيجابية والخير والتغيير . لنزرع الخير بدلا من التشفي . والتسامح بدلا من الانتقام .... ليزول الفيروس وينتهي بإذن الله وقد وعي كل منا الدروس والعبر ؛ لنعود جميعا إلي إنسانية الإنسان النبيلة وننطلق إلي تحقيق قيم نحن أحوج ما نكون لها إنها قيم : الحق والخير والجمال والحب ....
    karem bdr
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع اسرار نيوز .

    إرسال تعليق