المستشار عادل رفاعي يكتب المناظره القاتله

المستشار عادل رفاعي يكتب المناظره القاتله



    بت ليلتي بعد طول سهر وقد خاصم النوم جفونى حتي غفوت من الأعياء أغفاءة طويلة وذلك بعد أن شاهدت مسلسل عمر بن عبد العزيز بإحدي القنوات الفضائيه ولفت نظري أن المسئولين عن العمل الفني لم يعيروا ألتفاتا للمناظرة التي تمت بين سعيد بن جبير والحجاج بن يوسف الثقفي ومروا عليها مرور الكرام ولما غلبتني سطوة النوم فاغمضت جفني حطت رحال رؤاي في العصر الأموي لألتقط المشهد الأخير في حياة علمين من أعلام التاريخ أحدهما الفقيه الجليل سعيد بن جبير علامة عصره وأمام التابعيين والآخر جبار بني ثقيف وطاغيتها المكان مدينه واصل بالعراق التي أختطها الحجاج بين الكوفة والبصره مقرا لأمارته ورأيته يجلس في الصدارة متكئا علي أريكته وعلي يساره بعض الحاشيه ومن خلفه نافذة يتسرب منها شعاع الشمس الذهبي علي أستحياء ليلقي ضوءه علي وجوه الحاضرين والقاعة تكتظ بالجنود والندماء وإذا بالحجاج يأمر الحراس فى غلظة وكبرياء بإدخال سعيد بن جبير الذي وان أعتلت قسمات وجهه الصفرة إلا أنها لم تذهب عنه نور الوجه وهيبة لا تكون إلا للعلماء ويبادر الحجاج : مستائلا متهجما عن أسمه.

    فيرد في ثقه وهدوء سعيد بن جبير.

    فيرد الحجاج:  متهجما بل شقي بن كسير.

    فيرد سعيد:  أمي كانت أعلم باسمي وأسم أبي منك.

    فيرد الحجاج : في جلافة  شقيت وشقيت أمك.

    فيرد سعيد:  أنما يشقي من كان من أهل النارفهل أطلعت علي الغيب؟. 

    فرد الحجاج : لماذا فررت مني وأختفيت هذه المدة كلها ؟.

    فرد سعيد : بقول الله تعالي علي لسان موسي (ففرت منكم لما خفتكم). فرد الحجاج:  محتدا وقد علت وجهه أمارات الغضب أتعرض بي.

     فيرد سعيد :هادئا بل أقرر واقعة. الحجاج في ثورة أكافر انت أم مؤمن؟ سعيد : في قوة ما كفرت بالله منذ امنت به.

    الحجاج : تدعي الإيمان أيها المنافق ؟؟ والله لأوردنك حياض الموت ؟.

     سعيد :في ثقه وارتياح إذا أصابت أمي حين سمتني سعيدا فأي سعادة أعظم من الشهادة في سبيل الله وجوار الشهداء.

     الحجاج: مهددا لن تجاور إلا الخوارج والمارقين ولأوردنك نارا تلظي. سعيد: واثقا لو علمت أن ذلك بيدك لأتخذتك من دون الله إلها !.

    الحجاج: مغتاظا ويلك يا شقي. 

    سعيد: إنما الويل لمن زحزح من الجنة وأدخل النار.

     الحجاج:  يحاول تغيير دفة الحديث في دهاء فيسأل سعيدا ما قولك في الخلفاء ؟ وأيهم أفضل ؟.

     سعيد:  في ثبات لست عليهم بوكيل وما أنا عليهم بحفيظ. 

    الحجاج: مراوغا أيهم أحب إليك؟. 

    سعيد: أرضاهم لخالقه عز وجل.

     الحجاج: ومن هم ؟. سعيد: علم ذلك عند من يعلم السر والنجوي. الحجاج: أبيت أن تصدقني فيرد سعيد: بل لم أرد أن أكذب عليك.

     الحجاج: وما تقول في معاويه؟.

     سعيد: لقد شغلني أمر نفسي عن تتبع أعمال الرجال والحكم عليهم. الحجاج: تفر من الجواب ؟ سعيد: طوبي لمن شغله عيبه عن عيوب الناس. الحجاج: ما رأيك في أقتتال علي ومعاويه؟. سعيد: في ثقة وروية ينطق بالحكمة تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا. الحجاج: وماذا تقول في ؟.

    سعيد:  أنت أعلم بنفسك. الحجاج: ولكني أريد أن أعرف رأيك. 

    سعيد: إذا يسوؤك ولا يسرك.

     الحجاج :ولو أريد أن أعرفه ؟.

     سعيد: أعفني. 

    الحجاج :لا عفي الله عني أن أعفيتك.

    سعيد: أن كان ولابد فإني لأعلم أنك مخالف لكتاب الله تعالي وسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدي الراشدين من خلفائه تري من نفسك أمورا تريد بها حفظ هيبتك وتمكين سلطانك وهي تقحمك الهلاك ورمقه بنظرة -فيها ما فيها -وقال بعد أن أشار بيده اليمني وسترد غدا يا حجاج علي الله فتعلم. الحجاج: وهو يبدو في محاوله للدفاع عن نفسه ألم أرسل الجيوش لتقاتل في سبيل الله ألم أبعث لفتح بلاد السند ألم أوطد دعائم الأمن في ديار العراق ؟.

    فرد سعيد: بصوت جهوري بلي ولكنك جبار في الأرض مسرف في الدماء والرسول صلى الله عليه وسلم قال أن زوال الدنيا أهون علي الله من قتل أمرئ مسلم فكيف من قتل الألاف منهم وأستطرد في عزة وشمم يقول للحجاج أنك تريد يا حجاج أن تتخذ عباد الله عبيدا لك يطيعونك في المعروف والمنكر ويقولون في الحق والباطل سمعنا وأطعنا أتعلم أن ديننا لا يقر الطاعة إلا في المعروف فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

    فيرد الحجاج: وقد فتك به الغضب أتريد أن نترك الطامعين والمتربصين أن يفتكوا بنا ؟ لا بد أن نتغدي بهم قبل أن يتعشوا بنا.

    فرد سعيد: ساخرا لكن دين الله لا يعرف هذه الوجبات المنكرة يا حجاج الغداء بقوم والعشاء بقوم آخرين لو كنت تريد الآخره لم تؤثر عليها سلطانا أن بقي اليوم زال غدا.

    الحجاج :متصنعا التجلد وكظم الغيظ أنا أحب عند الله منك.

     سعيد :في ثقة الله أعلم بالغيب وستوفي كل نفس ما كسبت غدا وهم لا يظلمون.

     الحجاج: ألا تري ما نجمعه لأمير المؤمنين وأمر الغلام فأحضر من الذهب والفضة والكسوة والجوهر ووضعه بين يديه وقال لسعيد ما قولك في هذا؟

     سعيد: هو حسن أن قمت بشرطه وشرطه أن تأخذ من حله وتضعه في حقه ولا تبخل به عن حقه ونظر إليه متوعدا أياه قائلا وإلا ففزعة واحدة يوم القيامة فتذهل بها كل مرضعة عما أرضعت و تضع كل ذات حمل حملها. الحجاج: أتحب أن لك من هذا شيئا ؟.

    سعيد :لا أحب مالا يحب الله.

    الحجاج: بلغني أنك لم تضحك قط فما سر ذلك ؟.

    سعيد : لم أجد في الحياة ما يضحكني !! وكيف يضحك من كان طريقه من فوق جهنم ؟لا يدري أيمر من هناك ناجيا أم يسقط فيها جاثيا ؟! ثم تلي قول الله تعالي{ وأن منكم إلا واردها كان علي ربك حتما مقضيا }.

     الحجاج: ساخرا فما بالنا نحن نضحك ؟.

    سعيد : لم تستو منا القلوب وكل ميسر لما خلق له.

     الحجاج: يحضر العود والناي ويأمر أحد تابعيه فينفخ فيه.

    فإذا سعيد بن جبير: يبكي الحجاج:  متهكما ما الذي يبكيك ؟! إنما هو اللهو والطرب !.

    سعيد: بل هو الحزن والكمد لقد ذكرني هذا النفخ أمرا عظيما يوم ينفخ في الصور.

     الحجاج:  مقاطعا أتخدعني برقائق الكلام يا هذا لأعفو عنك !.

    سعيد: شامخا وينظر إلي السماء إنما العفو من الله وحده وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر لك يا حجاج. الحجاج: غاضبا فاختر لنفسك أي قتلة تريد ؟؟.

    سعيد:  في أباء وشمم بل أختر لنفسك أنت يا حجاج فولله ما تقتلني قتله إلا قتلك الله مثلها في الآخرة.

     فيرد الحجاج : مغاضبا والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحدا قبلك ولا أقتلها أحدا بعدك !!.

    سعيد:  ساخرا إذا تفسد علي دنياي وأفسد عليك آخرتك 

    والحجاج: يأمر الغلام باحضار النطع والسيف ويأمر بسعيد أن يقتل فما أن أخذ الغلام 

    سعيدا : ضحك فأخبره بعض جلسائه بذاك.

     فأمر الحجاج:  برده وسأله ما الذي أضحكك الساعة؟

     سعيد: أضحك من جرأتك يا هذا علي الله ومن حلم الله عليك.

    الحجاج :مغيظا أقتلوه أقتلوا هذا الرجل.

    سعيد: وقد أتجه إلي القبلة قال وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين.

     الحجاج: في غلظة لا توجهوه إلي القبلة.

     سعيد:  مبتسما ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله. الحجاج: كبوه علي وجهه إلي الأرض.

     سعيد:  يقول بملء فيه {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة آخري}.

     الحجاج : وقد علا صوته أذبح عدو الله فما أسرع لسانه بالقرآن.

     فرد سعيد :في المرة الأخيرة بصوت يملئ أركان المكان إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله خذها مني حتي تلقاني يوم القيامة يا حجاج ثم رفع يديه إلي السماء وقال اللهم لا تسلطه علي أحد يقتله بعدي وطال سيف الحجاج رقبة الفقيه العالم الذي أريقت دماؤه علي مقصلته وخرجت روحه الطاهره تشكو لباريها ظلم الطاغية الحجاج إذا بسيف القدر يكون أسرع إلي رقبة الحجاج فيفقد عقله ويذهب عنه صوابه ويهجر النوم جفونه وهو يتوهم أن سعيدا بن جبير يطارده ويمسك بخناقه وما زالت كلماته تطن في أذنه بل أختر لنفسك أنت يا حجاج فوالله ما قتلتني قتلة إلا وقتلك الله مثلها في الآخرة ويهذي الحجاج أرفعوا يد سعيد عني إنه يمسك بخناقي والهلع يعلو قسمات وجهه فيذكره غلامه وهو علي سرير المرض أنه يتحدث عن شبح قائلا ولم هذا الخوف ولطالما قتلت الألوف فينتفض الحجاج أنتفاضه الضعيف المتهالك وأنه يقسم أنه لو عاش ليجعلن غلامه نكالا وعبرة ويقول الغلام إجبار وأنت علي فراش الموت؟! تواضع لله ساعة قبل موتك فيسقط الحجاج من علي سريره و يصرعه الألم ويمزقه المرض وتقتله الوساوس فيهتف بأعلي صوت مالي وسعيد بن جبير ثم تكون أخر كلماته وهو يحتضر وقد بدأ ستار الآخرة ينسدل رويدا ردويدا يا رب أن الملوك إذا شابت عبيدهم أعتقوهم وقد شبت رقا فأعتقني اللهم أني قد أطعتك في أحب الأشياء إليك التوحيد فوحدتك يا من لا إله إلا أنت وعصيتك في أبغض الأشياء إليك قتل النفس فيا من لا إله إلا أنت أغفر لي ما بينهما ثم تهدج صوته ورفع يديه إلي السماء وقال يا من وسعت رحمتك كل شئ وأنا شئ من خلقك لا إله إلا أنت يا من كل شئ هالك إلا وجهه وخلته ينادي اللهم أغفرلي فإنهم يظنون أنك لن تفعل ثم شهق شهقه بعد أن أسودت الدنيا في وجهه وأربد وجه السماء ولقي حتفه وهنا ينسدل الستار علي القصة بأسرها وتنتابني رعدة شديدة وأستيقظ علي أثرها والمؤذن يؤذن الفجر ينادي الصلاة خير من النوم رحم الله الفقيه الذي أطل علينا الليلة أطلاله رائعة من عالم برزخه علمنا فيها بحق كيف يكون العالم حرا مرفوع الرأس لا يخشي إلا الله وخلت السماء وقد أزدانت ولبست ثوبها القشيب لتقيم عرسا للفقيه العابد يظل قائما بين السماء والأرض حتي ينبلج فجر القيامة ويا حسرة علي الذي ضيع آخرته وملئ صحيفته بالمظالم وكتب بمداد أسود نهايته المحتومة وقد جلس علي كرسي من الجمر ومقعد من النار وأرتدي ثيابا من الشوك فظلت أشباح الموتى وصرخات القتلي خلفه تسلبه العقل بعد أن ظن أنه ناج فهوت الأمانه التي حملها علي عاتقه وهوي علي إثرها في قعر الجحيم إلي أبد الأبدين لم تحمه سطوته من غوائل دهر سقاه ما سقاه في النهاية من شر غوائله إلي أن أنتهي به إلي مرفأ الندامة والسخط فمات والسماء تلعنه والأرض تشقي بحمله بين دفتيها ودماء المظلومين تلاحقه حتي في قبره نارا تلظي تطارده حتي في باطن الأرض والحق ينادي قد خاب من حمل ظلما فاللهم يا مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير أنك علي كل شيء قدير

    karem bdr
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع اسرار نيوز .

    إرسال تعليق