المستشار عادل رفاعي يكتب .. الغائب الحاضر

المستشار عادل رفاعي يكتب .. الغائب الحاضر

    كان لي صديق كانت روحه عالية كالنجم في السماء  كأنما كانت له قدرة الهبوط إلي الأرض ثم الصعود  تارة آخري إلي حيث موضعه في السماء في خفة رائعة ورشاقة مذهلة عرفته في مطلع شبابه كان فتي يافعا ومذ عرفته كان خلقا يسير علي قدمين لكنه كان كالذي يشعر بدنو أجله وبأنه لابد أن يفارق تلك الحياة في أقرب وقت  لذلك ترك أرثا كبيرا من الحب وكأنما كشفت له حجب الغيب ولا أعرف أني رأيت منه علي الدوام إلا أحسن ما فيه كان دمث الخلق رقيق القلب والحاشية لطيف القول بسيط الطول حسن المأخذ مرهف اللسان دقيق المنفذ مكفوف البوائق مصروف الغوائل مأمون الخيانة كان نور وجهه يخالط القلوب كان صادقا تري ذلك في قسمات وجهه كما يريك الحق صدق أفكاره بما ينطق به لسانه الذي كان يقطر عسلا لا يمل حديثه ولن تعدم خيرا من مرافقته كان صاحب مروءة سامقة ليس لها حدود وانما هي إلي وجه الله الغامر فلا تزال تسمو وترتفع حتي تناطح الجوزاء وتزاحم الشمس في الجلاء كان ودودا لا يعرف الكره البتة محبا لا يتسع للحقد أبدا ألوفا لا يسر الموجدة علي مخلوق كان رحب الصدر كأنما الله زاد فيه سعة الأيام التي ستنتقص من حياته ففي قلبه وروحه قوة أعمار مضاعفة كثيرة سرمدية راكمتها يد الأقدار فكنت لا تراه إلا في حاجة معوز أو في تفريج كرب مكروب أو تنفيث همه أو في أعانة ضعيف علي نوائب الدهر أودع الله في قلبه حب البسطاء فلا تراه إلا هاشاً في وجوه المساكين كان هادئ البال مطمئن النفس فكأن الله نفي من عمره الأيام الهالكة الضائعة التي تمر علي الأنسان لا يحقق فيها غاية نبيلة ولا يجني منها إلا قبض الريح

     آه لو عرفت صديقي كانت الكلمة الطيبة تفوح أريجاً من فمه فيعلمك كيف لا تنطق بكلمة سوء لأحد ما حييت كان صديقي مثالا للنبل الذي لا مثيل له وآية من آيات العطاء الذي لا حد له كان صاحب نفس مطمئنة أبت إلا أن يكون مفتاحا لكل خير مغلاقا لكل شر في صدق لا يجنح إلي أفتراء وأستقامة لا سبيل معها إلي أنحراف كانت قسمات وجهه تنبئك بأن الدنيا لما تزال بخير فلما نزل به هادم اللذات ومفرق الجماعات أدركت أن الأقدار قد ضنت علي الأرض وأهلها به وأختارت له السماء مكاناً أبدياً لكنه وقد رحل سيبقي أبد الدهر خالداً في قلوبنا وستحلق روحه حولنا لتذكرنا

     -وقد ذهب إلي رب راض غير غضبان في روح وريحان وجنة نعيم في معية الرحمن الرحيم وفي ضيافته في دار الراحة والقرار- أنه ما استحق أن يولد من عاش لنفسه وسيظل بجليل أفعاله وعظيم أعماله وجميل صفاته الغائب الحاضر الذي مازلنا نذكره أبد الدهر ما حيينا نستلهم منه الدرس والعبرة  وستظل سيرته العطرة نبراسا يستضاء به من أجل ذلك لما مات تصدعت أركان نفسي وزلزلت زلزالها وسال دمعي رقراقاً لم يجف بعد لم أقل ساعتها أنه مات لي ميت بل صرخت لقد مات في َّميت فاللهم أرحم صديقي وجه الخير ولسان الصدق رفيق العمر وتوأم الروح حتي تلحقنا به في فراديس الجنان فقد تاقت والله نفسي إليك وإليه وإليها .


    karem bdr
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع اسرار نيوز .

    إرسال تعليق