المستشار عادل رفاعي يكتب .. الرجال و الأخلاق



شوهد الفيلسوف اليوناني ديوجيتين يحمل مصباحا في ضوء الشمس فلما سُؤل عما تبحث ؟؟ نظر إلي السماء و أطرق مليا 

و شرد ذهنه ثم قال قولته الشهيرة أبحث عن الرجال

 و لو كان بيننا اليوم لأحتاج لكل مصابيح الدنيا ليستعين بها بحثا عن الرجال 

و الواقع أن المدنية قد انتهت إلي إقرار ظاهرة تبدل الأخلاق 

بتبدل الحياة فمن كان صالحا نقيا علي الفقر و العوز و الاملاق ثم أصبح موسرا جاز له أن يكون شقيا فاجرا علي الغني

و أن يسمح لفجوره أن يطغي و أن يتعدي كل حد و أن يهدر أية قيمة و أن يفسد أي حياة من أجل ذلك كان بقاء البشرية و استمرارها و صلاح حالها رهين بثبات الأخلاق و وجوب تربية الأنفس و تنشئتها علي ذلك و جعلها كقيمة في حراسة المجتمع إذ لابد من ضبط كل شئ بحيث لايبقي أمر إلا وراءه تقدير ولا تقدير الا له حكمة ولا حكمة الا فيها مصلحة

و بذلك النظر فإن علينا أن نتسامي 

فلا نقبل من المدنية إلا محاسنها ولا نأخذ سيئاتها في حسناتها و حماقاتها في حكمها و زيفها في حقيقتها 

و غثها في ثمينها فلا نأخذ إلا النافع الذي يتناسب مع أحوالنا 

ثم لا ندع أو نأخذ إلا علي الاصول الجامعة و ما تعارفنا عليه

في آدابنا و أخلاقنا و عاداتنا ولا مراء أن الإيمان بالاخلاق إنما يورث بشاشة الروح و يبعث في النفوس و القلوب الرضا و الثقة

و بهما يصبح الإيمان بالخلق و مع الخلق بعثا آخر للنفس و الروح و عقلا إضافيا ثانيا للعقل 

و هنا تبرز قوة الروح حين يفيق العقل الأول فيتلاحيان 

فيزيح الاقوي منهما الأضعف و يخرج الأعز منهما الأذل 

و غني عن البيان أن الله تعالي إذا أراد لواحد من الناس أن

_يكتبه عنده من الرجال_

 فلا يعطيه شيئا هو خير من أن يسلك في قلبه اليقين و الصدق 

_ و عند الله مفاتيح القلوب _ 

فإذا أراد الله بعبد "كتبه عنده من الرجال" خيرا فتح له قفل قلبه 

فجعل في قلبه الايمان و اليقين و الصدق و جعل قلبه سليما 

و لسانه صادقا و خليقته مستقيمة و أذنه سميعة و عينه بصيرة 

فيخوض الغمار و هو قوي النفس عظيم الخلق فلا تراه إلا و في ركابه الخير العميم و العطاء الدائم و النفع الجزيل لدينه و أهله و وطنه يترك بصمة تدل عليه في كل ميادين الخير

فهو لكونه رجلا و لكونه صاحب خلق فهو غيث أينما وقع 

انتفع الناس به و استبشروا به خيرا فهو رمز من رموز المرحمة ينشر الحب و الجمال و يحارب القبح و الظلام 

و يضع كل يوم لبنه في بناء صرح أشم تحوطه الأخلاق يصل بينه و بين خالقه من جهة و بينه و بين الناس من جهة أخري

لا تثنيه الظروف عن اقتحام ميادين العمل و ساحات الوغي

و لم لا ؟؟ فهو صاحب رسالة تشبعت نفسه و رجولته بروح الخير و المحبة كشجرة عتيقة أصلها ثابت و فرعها في السماء 

تؤتي أكلها فتفيض علي الناس أملاً و خيراً و نفعا عميقا تراه يملك الوجدان بخطابه إذا تحدث فهو لطيف القول دقيق الإحساس لطيف المنزع و هو رسول محبة و داعية سلام 

نزهته الرجولة و الأخلاق عما في أيدي هتكعن المظالم و الاخذين علي الاالحرمات فهو ههل لكل مكرمة يصل من قطعه و يعطي من حرمه 

و يعفو عمن ظلمه و يبذل الخير و حسن الأدب و هو لين القلب و العمل و ذلك ما يوجب الألفة فمن لانت كلمته 

وجبت محبته و حسنت أحدوثته و ظمأت القلوب للقائه 

و تنافست في مودته و صدق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ صرح 

" أن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد 

و أن الخلق السئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل" 

 من أجل ذلك فالرجل صاحب الخلق ينهاه خلقه عن التباغض و التحاسد و الكذب و الكبر و البخل و انتهاك الحرمات 

و جحد الحقوق و أكل الأموال بالباطل لأنها قيم فاسدة تنهدم

بها المجتمعات و تندثر بها الأمم و تزول الحضارات فلا تراه يوما يدحض 

بباطله حقا فهو يوقن أن من فعل فقد برءت منه ذمة الله و رسوله و لن تجده يوما يغشي مجالس السفهاء ولا يركن إلي الظالمين فقد ارتفعت به أخلاقه و رجولته إلي قمة شماء 

تنخلع لذراها الرقاب ثم هو حيث تكون المواقف 

أسدا هصورا لا يعرف الشيطان إلي قلبه و عقله سبيلا ولا يهبط به إلي مهاوي النذالة و الجحود 

فهو في معية الله لا تنال منه عاديات الدهر ولا يميل إذا ما الامر مال و لا يخون العهود ولا تنال منه عواصف الغدر ولا أعاصيره ولا يتخلي عمن لجأ إليه و إستجار به و هكذا شيم الرجال ألا تري أن الله تعالى قد فرق في خطابه الجليل 

بين الرجال و الذكور ففي المواريث قال تعالي

"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"

لكنه في حديثه عن القوامة قال تعالي 

"الرجال قوامون علي النساء"

 فليس كل ذكر بالضرورة رجلا و ذلك حكم الله 

فالرجولية رداء لا يعطيه الله إلا من أحب و إلا من استوفي شروطه فالرجل هو ذلك الكائن المكرم الذي أسبغ الله عليه وصف الرجولة و صبغه به 

و هو الذي يحمل بين دفتي نفسه ثبات الأطواد الراسيات 

و الصروح العاليات من قيم و أخلاق و مبادئ و مواقف تكشف عن معادن الرجال التي لا تزيدها الأيام إلا قيمة 

ولا تزيدها الشدائد الا قوة شكيمة ألا تري أنها لو ألقيت في النار بان ضياؤها و زاد وهجها و اشتد لمعانها فهكذا الرجولة إذا ما التحفت بالاخلاق لا ينطفئ بريقها ولا تزداد علي الدهر الا جمالا و جلالا و بريقا 

و الرجل صاحب الخلق ينأى بنفسه عن مواطن الزلل و عن ساحات البغي و مجالس الهوي 

فقد انقذته أخلاقه و رجولته من ذلة الشقاء و خلعت عليه لباس العزة و الكرامة 

فكانت له رداء و حجابا من النار 

فالحبيب المصطفي يقول 

"و الله لا يلقي الله حبيبه في النار"  *صحيح الجامع 6/104*

و هو بهذا الوصف أبعد الناس عن الخيانة و الظلم و الشح 

فهذا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم 

ما فتئ ينادي في أذن الزمان 

"إياكم و الخيانة فإنها بئست البطانة و إياكم و الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة و إياكم و الشح فإنه أهلك من كان قبلكم 

قطعوا به أراحمهم و سفكوا به دمائهم 

و هو أبعد الناس عن الفاحشة فأخلاقه و رجولته ترتفعان به عن الدنايا فيحلق في سماوات الفضيلة 

و هو ما يجعل الناس تهفو للقائه و تتنافس في مودته و ليس أعظم من أن الله الجليل قد سبقت كلمته لمن حسن خلقه

أن يظله تحت العرش و أن يسقيه من حظيرة قدسه 

و أن يدنيه من جواره 

و أيما أمة تمسكت بذلك علت رايتها و أضحت مكللة بالفخار 

و ان هي تخلت عنها صارت إلي زوال 

ذلك أن الله تعالي لم يؤت أحدا شيئا هو شر من أن يسلك في قلبه الريبة و يجعل عينه شرهة مشرفة متطلعة لا ينفعه المال و ان كثر 

و غلق الله القفل علي قلبه فجعله ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء 

فاللهم انا نعوذ بك من الشقاق و النفاق و سوء الاخلاق 

اللهم أظلنا تحت عرشك و إسقنا من حظيرة قدسك و أدننا من جوارك و ارفع عنا البلايا و الأسقام و ادفع عنا كل مكروه و سوء و ارفع راية مصر عالية خفاقة تناطح الجوزاء و تزاحم الشمس في الجلاء و أمدنا بجند من جندك و بروح من عندك يا خير من سؤل و أجود من أعطي و أكرم من عفا و أعظم من غفر و أعدل من حكم و أوفي من وعد و أبصر من راقب و أحسن من خلق و أحكم من شرع و أحق من عبد و أولي من دعي و أبر من أجاب 


 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

برقية تهنئة للأستاذ محمد والأستاذة مريم بمناسبة الخطوبة السعيدة.

مباحث البحيرة تكثف جهودها لكشف لغز العثور علي جثة فتاة بعيادة عيون في كفر الدوار

جريمه قتل داخل سفير مول بكفر الدوار في عياده الرمد