إعلان في الرئيسية

أخبار حصرية

إعلان أعلي المقال

   


ذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني للأصفهاني

أن أحد الأدباء ببغداد كان يمشي في شوارعها فإذا به 

يلتقي إمرأة أنيقة رشيقة رقيقة تسر الناظرين وتبعث فى النفس لواعج الشوق وتباريح الهوى من أجمل النساء شكلا  وأظرفهن نفسا و أعدلهن قدا و أزكاهن روحا و أرقهن قلبا 

أبدع الله تصويرها فكأنها الحور العين إستأذنت من رضوان حارس الجنان لتحل ضيفة علي الارض و قد رآها 

  وهى تقبل شيخا هرما سمج الوجه والخلقه وهى تحادثه وتلاعبه وتضحك فى وجهه فلما رآها دنا منها و قال لها يا هذه من يكون هذا الشيخ منك ؟؟

 قالت بنفس راضية هادئه زوجى فقال صارخا وكيف تصبرين على سماجة وقبح وجهه مع وجود جمالك وروعة حسنك ان هذا لشئ عجاب !

 قالت يا هذا أتعجب من صنع الله تعالى فلعل هذا الشيخ رزق مثلى فشكر ورزقت مثله فصبرت والصبور والشكور كلاهما فى الجنة أفلا أرضى بما رضي الله تعالى لى من هذا الأمر

فتركها وانصرف عنها وقد أعجزه جوابها وأضناه صبرها وحيرته رقتها ودهش لرضاها لكن مزق قلبه ما وقع لها من تصاريف القدر و تعجبت كثيرا أن تكون مثل هذه الحسناء رائعة الحسن فائقة الجمال قد وقعت في شرك الردي

 فهي و الحال كذلك قتيلة الهموم في عداد الاحياء بحق و دفينة الأسي بين أهل الدنيا "أو هكذا خلتها"

لقد كتب الله تعالي قدرها بقلم أزلي مسموع الصرير مرهوب النفير و هو القلم الأعلي الذي كتب مقادير كل شئ و حدد لها دورا تمثله في الحياة ليكون فصلا من معاني الشقاء الإنساني فتسامت و هي تؤدي ما رسم لها من دور في الحياة فكانت قليلة المخالفة عظيمة المساعفة شديدة الإحتمال صابرة علي الإدلال جمة الموافقة جميلة المساعدة نبيلة المداخل رقيقة الإحساس عذبة الحديث عارفة الأماني 

طيبة الأخلاق مكتومة السر كثيرة البر صحيحة الأمانة كريمة النفس مضمونة العون كاملة الصون مشهورة الوفاء ظاهرة الغناء مستيقنة الوداد خفيفة المهجة عفيفة الطباع و مع مثلها يكتمل الأنس و تنجلي الأحزان و يقصر الزمان و تطيب الأحوال فأنتصرت علي نفسها و علت علي ظروفها و رضيت بما سطرته يد الاقدار لها و قد كان بمكنتها أن تتزوج من ند لها شاب جميل فتي تقاسمه الأيام و الليالي الطوال

فيكون لها الأنس للقلب المستوحش و النور في ظلمة الكآبة و يمسح دمعها بيد حانية و ترتمي في صدره كأنها عصفور بلله ماء المطر إذا ما اشتدت عليها مطارق الحياة و تستظل بظله في هواجر الأيام و تستدفئ بأحضانه في ليالي الشتاء الباردة 

 و أضحت تدلف ولا تمشي كأنها مثقلة بأحمال تحملها علي قلبها إن النفوس المتألمة لا تحمل أثقل منها و بعض التنهدات علي رقتها و رشاقتها 

قد تشعر بها النفس كأنها جبل من الأحزان يتهاوي عليها و يتصدع فوق رأسها فلم يبق إبداع في شئ مبدع ولا جمال في منظر جميل

 تري هل طاف بخلد الحسناء بعد هذا الطوفان من الآلام

 أنه لا نجاة لها من ذلك كله إلا بالموت السحيق ؟؟

أبدا لم يحدث فقد تسامت و ارتفعت عن هذه الفكرة إبتغاء رضاء الله و محبته و أقطع أن أفكار الهوا لم تداعب نفسها 

فلم تطمح بخيالها الي خلة أو عشق يغدو ولها و تدلها و تضحي معه مستهامة هائمة علي وجهها حيرانة تحرق اللوعة قلبها فما استعبدها الهوا ولا اسقمها الجوي و لن تقع أسيرة العشق 

فالعشق جليس ممتع و أليف مؤنس و صاحب مملك 

مسالكه لطيفة و مذاهبه غامضة يملك البدن و الروح و القلب و الخاطر و العيون و نواضرها و العقول و أراءها إنها أسلمت لله وجهها و بكل الضعف إلتجأت إليه و أنابت و استبدلت كل ذلك بعشق أخر 

فأحلت حب الله في قلبها و جنانها و عقلها و تمسكت بالبقاء خادمة لزوجها مطببة لأمراضه حاضنة له صابرة علي ما ابتليت به بنفس تحمل كل معاني الفضيلة و الإيثار بعد أن إمتلأت قناعة بأن سر الوجود هو محبة الله الخالق الأعظم 

الذي تؤلهه القلوب 

و رضيت بقدرها و رُب ليل 

زحفت عليه و هي مسلحة بتلك القيم يصير فجرا مضوعا عطريا

و لم يسلم لديها القلب من وجع الضنى و أضحت لا تبصر في خضم فجيعتها إلا غدا متحفز الأنياب فصبرت و كم في الصبر من ألم تجرعته حنايا نفسها غسليناً فهي لما تزال وارثة لعطاء حار فيه الوجود نشرا و طيا و لما كانت حكمة الله تقضي بأن حياة الفناء لمن هم أضاعوا احتراق الليالي سدي 

لكنها ما احترقت الا احتراق الشموع لتدرك عبر اللظي مقصدا 

و تنهض في كل يوم دليلا علي أن نورها لن يخمد و يحملها في بحار الوفاء شراع من الحب عذب الندا 

و لما اتصل قلبها بالملك الديان و أسلمت له وجهها و إلتجأت إليه و أعطت من نفسها و روحها لزوجها كما أمر ربها لتقول بكل ذرة في خلجاتها إن الحياة محبة و في العطء نجاة لكل نفس محبة و أنها بصدقها و صبرها تجتاز حد الخلود

فمن آمن بالله إيمانها و صبر علي الأيام و الليالي صبرها

عسي الله أن يمنحه زاوية بمملكة السماء 

و لتهنئي ياصديقة العطاء النبيل ستظلين بضمائرنا باقية 

علي طريق الخلود لأن الحياة لمن أضاءوا دروبها و كانوا هدي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *