إعلان في الرئيسية

أخبار حصرية

إعلان أعلي المقال

قسم المقالات قسم المقالات

المستشار عادل رفاعي يكتب بائعة الشاى

  

ألح علي أحد أصدقائي أن أكتب شيئا عن الأم واهبة العطاء والنعم فأنه يرثي لحال كثير من الأمهات وقد بلغن من الكبر عتيا وسقطن ضحايا العقوق والجحود والاهمال ومعي اليوم إنموذجان أردت أن أقص عليكم خبرهما لعل فيهما أوفي درس وأخلص عبرة فقد كان لي صديق يدعي رءوف كاتبني منذ عشرين عاما يشكو إليّ أن الحيل قد أعيته في التوفيق بين أمه وزوجته وأن الخلافات بينهما محتدمة وأن الاجواء مشتعلة وأذكر أني كتبت إليه في حينه أن رجلا شكي إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم سوء خلق أمه فرد عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم قائلا لم تكن سيئة الخلق حين حملتك في بطنها تسعة أشهر ولم تكن كذلك حين أرضعتك حولين وحين أسهرت لك ليلها و أظمأت لك نهارها قال لقد جازيتها فقال ما فعلت ؟ قال حججت بها علي عاتقي فقال صلي الله عليه وسلم ما جازيتها واستطردت أوضح لصديقي أن أمه أسمته رءوفا وكأنها كانت تستشرف آفاق المستقبل وقد علمت أنها ستحتاج يوما إلي عطفه فيكون بها رءوفا وذكرته أن الجنة تحت قدميّ أمه التي حملته في بطنها تسعة أشهر كانها تسعة حجج وكابدت عند وضعه ما يذيب المهج وأرضعته من ثدييها لبنا سائغا شرابه وسقته من حنانها وأطارت لأجله وسنا وغسلت بيمينها عنه الاذي وآثرته علي نفسها بالغذاء وصيرت حجرها له مهدا و أنالته إحسانا ورفدا فإن أصابه مرض او شكايه أظهرت له من الأسف فوق النهايه و أطالت الحزن والنحيب وبذلت ما لها للطبيب واقسم انها لو خيرت بين حياته وموتها لآثرت حياته بأعلي صوتها رغم ما بدي من تعامله بسوء الخلق مرارا إلا أنها ردت ذلك بأن دعت له بالتوفيق سرا وجهارا فلما إحتاجته عند الكبر جعلها أهون الاشياء عليه فشبع وهي جائعه وروي وهي ضائعة وقدم عليها كل من هب ودب وقابل أياديها بالنسيان وصعب عليه أمرها وهو يسير وطال عليه عمرها وهو قصير وهجرها هجرا غير جميل وما لها سواه نصير وقد شددت عليه النكير وذكرته أن مولاه الجليل قد نهاه حتي عن التأفيف وعاتبه في حقها بعتاب لطيف وحذرته من عقاب الدنيا وخزي الآخره فما كان من صديقي بعد ان تأثر بكلماتي إلا أن ثاب الي عقله وفاء إلي رشده وتنبه من غفلته و أفاق من وهدته وبادر بالإعتذار لأمه وشاهدت بعيني رأسي كيف استرضاها وقبل قدميها ووالله ما أن فعل حتي فتح الله له مغاليق الأمور وابوابا للرزق و أمطره بالخيرات وأحاطه بألوان من السعادة والحبور تبدت في وجهه كلما التقيته كان ضاحكا مستبشرا فرحا ببره بأمه سعيدا بالبقاء بأحضانها مستمتعا بلذة النظر إلي وجهها ذاكرا أن بطنها كان له وعاء وثديها كان له شفاء وحجرها كان له حواء و أفاء الله عليه بالوان شتي من النعم فصار من أسعد من رأيت بفضل بره لأمه ودعائها له وتذكرت أن إمرأة وزوجها جاءا يختصمان عند النبي صلي الله عليه وسلم في صبي لهما فقال الرجل خرج من صلبي وقالت الأم يا رسول الله حمله خفا ووضعه شهوة وحملته كرها ووضعته كرها و أرضعته حولين كاملين فقضي به صلى الله عليه وسلم للأم وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم رأي في المعراج رجلا مضيئا في نور العرش فقال أملك هو ؟ أنبي هو؟ قيل هو رجل في الدنيا لسانه رطب بذكر الله وقلبه معلق بالمساجد ولم يسب والديه قط وتذكرت جارتي أم رحمة التي مات عنها زوجها تاركا خمسة من الأولاد في عمر الزهور دون أن يترك لهم ما يقيم أودهم ولما وافته المنيه لم تلعن أم رحمة ظروفها ولم تندب حظها ولم تشك لغير ربها حاجتها وضيق ذات يدها ولم تترك لنفسها العنان للألم والضياع بل أدركت أن الله تعالي هو الأمل الباقي وأن خزائنه لا تنفذ وأن ما من مخلوق يلجأ إليه يطرق بخواطره بابه إلا أعطاه وأرضاه وأغناه واجهت الحياة في عزيمة لا تلين فالتحقت بالعمل بإحدي المشافي الخاصه كعاملة نظافة ملتحفة بالأمل وشقت أمواج الفقر والعوز وقسوة القلوب بسفن الأمل والعمل ثم جمعت بين عملها والعمل بسوق بلدتنا الذي ينعقد لواؤه يومي الاثنين والخميس فصنعت من الماء الطهور مشروب المصريين التقليدي الشاي إلا أنها قدمته في أكواب شديده النظافه وجملته بالقرنفل والنعناع وأحاطته بإبتسامه عريضه فاقبل عليها الناس زرافات ووحدانا واصلت الليل بالنهار استطاعت أن تعلم أولادها وزوجاتهم جميعا إناثا وذكرانا فكان الناس يتندرون علي الأنواع الغالية القيمه من الأجهزة والمفروشات الراقية التي جهزت بها أولادها ونجحت الزيجات كلها بشكل رائع من قليل المال الحلال الذي اكتسبته بعرق الجبين وكد اليمين ولقنت أولادها دروسا في العفة وحسن الخلق وتقديس قيمة العمل بل ودأبت علي إعداد مائده لتجمع أولادها كل يوم جمعة وجعلت هذا اللقاء مقدسا لا يتخلف عنه أحد وصار يوما لأسره كريمة لأم كادحة كريمة والأغرب من ذلك أنها ناهزت الخمسين ولما تزال تواصل العطاء في رحلتها الطويله وما زالت تغدق علي أولادها من ثمرة المال الحلال فرفع الله قدرها بين الناس جميعا وصارت ام رحمه في حبات القلوب وحنايا الصدور وفوق الرءوس واضحت مثلا يحتذى ونبراسا يستضاء به فسلاما علي صديقي الذي وعي الدرس وماتت أمه وهي عنه راضية وسلاما علي المكافحة الرائعه المناضلة أم رحمة كانت نعم الأم وسلاما علي من ملأت قلبها بجمالك وعينيها بجلالك العظيمة أمي أجمل وأرق من رأت عيناي في دنيا البشر وصلي اللهم صلاة جلال وسلم سلام جمال علي من علم الدنيا أن الجنه تحت أقدام الأمهات



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *