إعلان في الرئيسية

أخبار حصرية

إعلان أعلي المقال

قسم المقالات قسم المقالات

المستشار عادل رفاعى يكتب .. لصوص خمسة نجوم


كان اللصوص في الزمان الغابر هم أولئك البؤساء الذين يبحثون عن جرعة ماء أو لقمة عيش يسدون بها رمقهم إذ يواجهون فقرا مدقعا و فاقة و عوزا و قد أبدع الكتّاب و الأدباء في وصفهم و الحديث عنهم و في القلب منهم :
(فيكتور هوجو) العظيم فيما كتبه في روايته الخالدة "البؤساء"
إلا أن بين أيدينا الليلة صورة مغايرة من نوع آخر من اللصوص هم المصابون بهوس السرقة
و لشد ما اجتهد العلماء في تعريف الهوس بأنه عدم القدرة علي مقاومة الرغبة في سرقة الأشياء لأسباب غير الإستخدام الشخصي و المكاسب المالية و قد عرَّفت منظمة الصحة العالمية هوس السرقة بأنه فشل متكرر من الشخص في مقاومة الإندفاع نحو سرقة أشياء لا يحتاجها لإستخدامه الخاص أو لكسب مال بل إن هذه الأشياء قد يتم التخلص منها أو توزيعها أو تخزينها و قد تم تصنيف هوس السرقة في الطب النفسي علي أنه قد يكون إضطرابا طبقا للوسواس القهري و أن صاحبه يجد ميلا مرضيا للسرقة و يجني لذة في الحصول علي أغراض الغير و الواقع أن الطب النفسي قد أثبت أنه لا علاقة للجينات به و أن له علاقة بتكوين الشخصية و أن المريض به لا يستطيع مقاومة نزعة السرقة لديه إذ يشعر بقلق وضغط داخليين إذا لم يسرق و أسموه ""بالسارق العصابي""
فهو لا يسرق سدا لعوز أو رغبة في إقتناء أشياء يشتهي إقتناءها أو لأنه لايملك ثمن مصروفاتها و لكن لمجرد الرغبة في السرقة نفسها و إذا سألت المريض عن الدافع يعجز عن الإجابة المنطقية و قد يخاطب نفسه
""أنه أذكي من الآخرين""
"و أنهم يستحقون ما وقع لهم"
" و أن عائلته تستحق أن يكون لها أشياء أفضل"
و قد ثبت أن بعض المكونات الأساسية لهوس السرقة تتضمن تكرار الأفكار المتطفلة و العجز عن مقاومة الإكراه عن السرقة و تحرر الضغط الداخلي بعد الفعل
كما أن لدي المصابين بهذا المرض مستويات كبيرة من التوتر
و الشعور بالذنب و الندم و قضايا الخصوصية المصاحبة لفعل السرقة فضلا عن إصابة البعض بمرض الإكتئاب الذي قد يتضافر مع عوامل أخرى في إحداث أثر كبير علي المريض
و في محاولة التفريق بين السرقة العادية و هوس السرقة ثبت أن السرقة العادية سواء كانت مخططة أو إندفاعية تحفزها فائدة الشئ أو قيمته المالية
بينما في هوس السرقة هناك فشل متكرر في مقاومة الدوافع
إلي سرقة الأشياء علي الرغم من أنها ليست ضرورية للإستخدام الشخصي أو لقيمتها المالية
كما ثبت أن الأشخاص المصابين بهوس السرقة يعتمدون السرقة كطريقة للتعامل مع المواقف العصيبة و المشاعر المؤلمة كما يتصاعد الإحساس بالضغط مباشرةً قبل تنفيذ السرقة كما ثبت أنها لا تحدث تعبيرا عن العداء أو الإنتقام
و ليست رد فعل علي أوهام كما تَلاحظ إرتباط هوس السرقة
بزيادة إنتشار المتاجر الكبري
و لقد أسر إليَّ أحد الأطباء النابهين من أن ذلك مرتبط بالبيئة التي ينشأ فيها الفرد و الأوضاع التي يتعرض لها في طفولته المبكرة من حرمان و معاناة و عوز و التعرض المباشر
لجو شديد القساوة و ما يستتبعه من عقاب
كما أن بعض المراهقين يسرقون دليلا علي الثورة أو العصيان
أو الرغبة في التعبيرعن جرأتهم كما أن مريض الهوس يمارس السرقات دون معاونة أحد
في حين أن السارق العادي يحصل علي مساعدة الآخرين
و لقد شاءت الأقدار أن تجتمع لديّ بعض القصص
التي وقعت أمام ناظري و ترددت كثيرا في البوح بها
إذ تنازعتني حيالها مشاعر مختلفة مختلطة بين الأمل في شفاء الحالة و الرجاء في إنصلاح حاله
و قد آن أوان إنطلاقها من محبسها حتي نأخذ منها الدرس
و العبرة فإليكموها ..

" ففي العام 1983 بالمدينة الجامعية بسموحة بالأسكندرية
كان بطل قصتنا الأولي طالبا يمشي متطاوسا لما له من سطوة
لعلاقته الوثيقة ببعض المسؤولين إلا أنه علي حين غرة
سقط سقطة مدوية إذ كثرت السرقات بالدور الذي يقطنه
مما دعي المسئولين إلي نصب شرك ما لبث أن وقع فيه برعونته و إندفاعه إذ كان لا يمل من سرقة زملائه كلما لاحت له الفرص و سقط اللص و صرخ باكيا ليعلن للجميع كذباً
أنه مريض و أن الحيل قد أعيته في البحث عن علاج عند كثيرٍ من الأطباء
فأبقي عليه المسئولون لكنه عاش عاما تجرع فيه كؤوس الذل و المهانة حتي تخرج من الجامعة ليرتدي معطفه الأبيض
و يتقاطر الناس علي معمل التحاليل الخاص به و قد تبوأ
مكانة عالية و وجاهة إجتماعية و زاد ثراؤه إلا أنه دأب علي إرتكاب أفعال السرقة و تصاعدت جرائمه التي بدأت بسرقة بعض الأدوية و الأشياء قليلة القيمة و انتهت بسرقة جهاز ضخم غالي الثمن و الغريب أنه ألصق التهمة
بموظف مسكين زوراً ليبعد عنه شبح الفضيحة
و ظل يمارس أفعاله النكراء بصور مختلفة
إذ دأب علي مشاركة بعض زملائه و أصدقائه في مشروعات
تنتهي دائما بالخسارة الفادحة فكأنه إحترف لونا آخر من ألوان السرقة لا تختلف كثيرا عن ذلك النوع التقليدي
إذ استعذب إقتناص ماليس له دون حق فأبدعت قريحته
ألوانا شتي من تلك السرقات و يبدو أن نشأته المتواضعة
و ضعف بنيانه الأخلاقي و البيئة الأولي و الضغوط التي تعرض لها في إستخدامه في نقل أخبار بعض زملائه بفترة الدراسة بشكل مهين قد أسهمت أكبر المساهمة في إندفاعه إلي تلك الهاوية و مازال حتي كتابة هذه السطور منغمسا في أخطائه و جرائمه لم يرعو كما لم يكلف نفسه عناء الذهاب إلى طبيب بحثاً عن العلاج

*و هذا شخص عرفته منذ مطلع شبابي تكاتفت ظروف نشأته
في حضن أب يعمل بإحدي الوظائف ذات الصلة بتحصيل الأموال
إلا أن الأخير كان يجاهر بأنه بارع في شق الجيوب و إمتصاص دماء البشر و قد كان يفاخر بأن خمسة بنوك ضجت خزائنها من صخامة ما تحمل من مدخراته الحرام
و يبدو أن ذلك قد ترك آثاره المدمرة علي حياة صاحبنا
فظل يمارس هوس السرقة بعد أن رآي أصل وجوده في الحياة لصاً كبيرا
إلي أن رُزق بوظيفة محترمة و ظننت بعدها أنه أقلع عن هذا الأمر إذ مات والده و ورث عنه أموالا طائلة .
إلا أنه مازال علي غيه القديم و يبدو أنه إذا أسندت إلي صغار النفوس و ظائف كبيرة كبرت بها رذائلهم لا نفوسهم .

و هذه إمرأة فائقة الحسن و الجمال إحتلت وظيفة هامة بإحدي شركات القطاع الخاص دأبت علي سرقة زملائها من الرجال و النساء و جمعت بين هذه الصفة المرذولة و بين سرقة المتعة الحرام مع أزواج صويحباتها فأضحت شقية غوية
لا نفع فيها و لا خير يرجي منها

*و هذه سيدة مجتمع تزوجت من شاب ثري ورث أموالاً و ضياعا و سيارات فارهة و جمع أموالاً طائلة من عمله بإحدي دول الخليج و رغم هذا الثراء و رغم كونها عاقرا لا تنجب
إلا أنها أُبتليت بداء السرقة من متاجر الفنادق الشهيرة و دأبت علي سرقة الملاعق و الفوط و حتي الصابون الذي يودع بدورات المياة و ضُبطت متلبسة بسرقة بعض الأشياء
من متاجر تلك الفنادق بعد أن صورتها بعض الكاميرات
المزروعة بالمكان و قد عفا عنها أصحاب المتاجر بعد أن تدخل زوجها و أعاد المسروقات و دفع تعويضا محترما
و ما زالت اللصة العجوز تمارس هوايتها الملعونة متأثرة هي الأخري بنشأتها الأولي و ضيق ذات اليد الذي كان يحاصر أسرتها دون أن تفكر في اللجوء إلي الأطباء للبحث عن دواء دائها الملعون
هذه بعض قصص رأيتها بعيني رأسي يجمع بينها جميعها
ضعف الإرادة و الإنهيار النفسي والأخلاقي و الطمع فيما في أيدي الآخرين و النشأة الأولي البائسة التي خلت من التربية الصحيحة التي تزرع في النفس الفضيلة و العطف و الضمير الحي و المُثل العالية و الأخلاق الرصينة و الإيثار و قيم الحق و الخير و الجمال و تنزع عنهم قيم الشر و الأثرة و الأنانية و الطمع فيما في أيدي الناس و الكراهية و التحاسد و الأحقاد
و الإصرار علي عدم اللجوء إلي الأطباء
و ربما كان في الحديث مع هؤلاء و ردهم إلي جادة الصواب
و الحديث عن الحلال و الحرام و الآخرة و القناعة و الرضا
في ضوء منظومة الأخلاق التي نادي بها الشرع الحنيف و عادات المجتمع و أعرافه ثم الإنتظام في برامج علاجية
ربما يغير من حدة الأفكار التي حلت بساحتهم و متعة إقتناص المال الحرام عنوة من أصحابه و قسرا عنهم
عافانا الله و إياكم من هذا الداء الوبيل
طابت أوقاتكم بكل خير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *