إعلان في الرئيسية

أخبار حصرية

إعلان أعلي المقال

قسم المقالات قسم المقالات

الدكتورحــمــدى الــحــيــوى يكتب .. مصر الأبية صاحبة المنزلة العلية

* * أيقظتنى ليلة دواعى الهموم ، فنظرت نظرة فى النجوم ، فإذا السماء كأنها روضة مزهرة ، أو صرح كنس جواريه مسفرة ، وبينما أنا أسرح فى دررالدرارى نظرى ، وأروض فى رياضها جواد فكرى ، وأقدس من هى مسخرات بأمره ، وأنزه من هدى خلقه بها فى بره وبحره ، إذ هب نسيم السحر ، يروى عن مـــــــصـــــــر الــخــبـــر ، فعطر الكون بعرفه ، وملك الرق برقته ولطفه ، وأهدى الروح إلى الأرواح ، وأطرب السمع بأحاديثه الصحاح ، فقال :
مـــــــصــــــر بلدة فضلها الله ورعاها ، وأخرج منها ماءها ومرعاها ، إن بارت تجارة فإليها تجلب ، أو عزت نفيسة فمنها تطلب ، لذا ترغب النفوس فى جوارها ، وتنفسح الآراء بين أنجادها وأغوارها ، وهى خزانة كتب العلوم ، والآثار المنبثة عن أصالة الحلوم ، أبنيتها محاذية للأفلاك ، ومراقيها يكاد أهلها يسمعون تسبيح الأملاك ، وفيها المقاصر والقصور ، والمقاعد التى عليها الحسن مقصور ، وهى أجمل بقاع الأرض ، وخيراتها لا تنفد إلى يوم الحساب والعرض ، خلدت ذكر علمائها الدواوين المسطرة ، وسرت فى محامدهم الأنفاس المعطرة ، سار ذكرهم فى العالم وانتشر ، وخرجوا فى إحاطتهم بالعلوم عن حد البشر ، اعتلى بهم بيت للإسلام ومنار ، وكاد يضىء بهم ولو لم تمسسه نار ،
ومـــــــــصـــــــر هى البلدة الطيبة الماء والهوا ، التى توافقت على حسن بنائها ولطف أبنائها الأهوا ، نيلها من أنهار الجنة ، فقد صفا ماؤه ، وعقد على الأفق لواؤه ، ينقلب القلب إليه ، ويقف طرف الطرف عليه ، شمسها الساطعة للحكمة برهان ، وللفلك معيار وميزان ، فهى الناطقة فى صمتها ، التى قصر البليغ عن وصفها ونعتها ،وعندما تحجب عن العيون شخصها ، ويخطف المغرب من يد المشرق قرصها ، وتكتحل جفون الأفق بالنار ، ويطرد زنجى الليل رومى النهار ، يبزغ الهلال ، بأمر ذى الجلال ، ثم يصير قمرا فبدرا ، إن فى ذلك لذكرى ، والقمر منازله معروفة ، ومحاسنه موصوفة ، وشرفه باذخ ، وقدمه راسخ ، وآياته ظاهرة ، وسفارته سافرة ، كم أوضح من طريق ، وهدى الرفيق إلى الفريق ، وذكر محبوبا بمحبوبه ، وبلغ طالبا غاية مطلوبه ، جعله البارى فى السموات نورا ، وكان أمر الله قدرا مقدورا ، فسبحان من جلى بمحياه حندس الغسق ، وأقسم به فى قوله : والقمر إذا اتسق " ، وما أجمل فجرها حين يبتسم ضاحكا من شرفه ، وينصب أعلامه على منازل أفقه ، فينطوى نشر الليل ، ويكف عن غمره الذيل ، وترتفع الحجب ، وتتأجج نار الشهب ، ويقتنص بازى الضوء غراب الظلام ، ويفض كافور النور عن الغسق مسك الختام ، وتندحر جيوش الدجا ، ويحرك النهار منه ما سجا ، ويجنح جنحه إلى الرحيل ، ويتلو لسان حال التحويل " يقلب الله الليل والنهار ، إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصار " ،
ومـــــــــــــــصــــــر قد ذكرها الله فى القرآن تصريحا فى قوله تعالى :" وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته أكرمى مثواه " ، وفى قوله تعالى : " وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين " ، وفى قوله تعالى : " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة " إشارة إلى شرف أرضها ، ورفعة قدرها ، وفى قوله تعالى : " اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم " فرأها الحسن والأعمش ( مصر ) دون صرف ، وفى قوله تعالى : " أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى " ، وذكرت بالكناية فى قوله تعالى : " وقال نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه " قيل هى مدينة منف بمصر ، وفى قوله تعالى : " فلن أبرح الأرض حتى يأذن لى أبى أو يحكم الله لى وهو خير الحاكمين " فالأرض هنا مصر ، وفى قوله تعالى : " اجعلنى على خزائن الأرض " هى خزائن مصر ، وسمى الله ملك مصر العزيز ، وقيل أن أصل عتو فرعون ملكه العظيم ومملكته التى لا تشبهها مملكة وهى مصر ، وقد بارك الله أرض مصر فى قوله تعالى : " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركنا فيها " فالأرض هى أرض مصر ، ووصفها بالبركة إما بمعنى الفضل ، أو من الخصب وسعة الرزق ، بدليل قوله تعالى مخبرا عن قوم فرعون : " فأخرجناهم من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين " ،
ولا شك أن التصريح باسمها دون غيرها ، دليل الشرف والفضل ،
وورد فى التوراة : ( مصر خزائن الله فمن أرادها بسوء قصمه الله ) ، ومن كلام كعب الأحبار : ( مصر بلد معافى من الفتن ، فمن أرادها بسوء كبه الله على وجهه ) ، ووصفها الكندى فقال : جبلها مقدس ، ونيلها مبارك ، وبها الطور الذى كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام ، هذا وقد دخلها جماعة من الأنبياء عليهم السلام ، وكثير من الصحابة رضوان الله عليهم ، وقيل " إن مصر أعظم الأقاليم وأجلها قدرا ، وأفخمها مملكة ، وأطيبها تربة ، وأخصبها زرعا وأحسنها ثمارا ، وأعدلها هواء ، وألطفها سكانا ، ولذلك ترى الناس يرحلون إليها وفودا ، وقل أن يخرج منها من دخلها ، أو يرحل عنها من ولجها ، مع مااشتملت عليه من حسن المنظر ، وبهجة الرونق ، لا سيما فى زمن الربيع ، وما يبدو بها من الزروع التى تملأ العين وسامة وحسنا ، وتروق صورة ومعنى ،
وقيل عن مصر : ( لو ضرب بينها وبين غيرها من البلاد سور ، لغنى أهلها بها عما سواها ، ولما احتاجوا إلى غيرها من البلاد ) ، ويقول ابن الأثير: " هى إقليم العجائب ، ومعدن الغرائب ، أهلها أهل ملك عظيم ، وعز قديم ، وإقليمها أحسن الأقاليم منظرا ، وأوسعها خيرا ، وفيها من الكنوز العظيمة ما لا يدخله الإحصاء ، حتى يقال : إنه مافيها موضع إلا وفيه كنز ) ،
ومــــــــصــــر رحبة الأكناف ، بديعة الأوصاف ، وهى منازل الأشراف ، ومقر قرى الأضياف ، ومقعد الوفود ، ومحل الكرم والجود ، أشجارها مورقة مثمرة ، ولياليها مقمرة ،
تتقابل الأنوار فى جنباتها : : فالليل فيها كالنهار المشمس . ،
تجوس المياه خلال ديارها ، وتشرق بآفاقها أنوار نوارها ، قد فاح أريجها ، وأضاءت سرجها ، وبرز إبريزها ، وحسن تطريزها ، وتحلت بما يروق إنسان كل إنسان ، وتجلت فى رفرف خضر وعبقرى حسان ،
وأهل مصر نفوسهم أبية ، ومقاماتهم علية ، يرفلون فى حلل العفاف ، ويسلكون سبل الإنصاف ، ويوقرون الكبير ، ويرضون من العيش باليسير ، ويعتمدون حسن الوفاق مع الرفاق ، ويعرضون عن أهل العرض لعلمهم أن ماعندهم يفنى وماعند الله باق ،
وهم قوم زكت نفوسهم ، وأينعت فى حدائق العطايا غروسهم ، وملكوا أعنة المعالى ، ورفعوا خيام خيمهم بأطراف العوالى ، يسير الفخر تحت ألويتهم ، وتتعطر المجالس بطيب أنديتهم ،
يامـــــــــــــــــصــــــــــــــــــــــــر :
شيدت للدنيا صـــروح حضارة : : وأنار ليل العــالـمـين بــنــوك .
لك فى سجل المجد ذكر أبيض : : ســـيظـل تاجا خــالدا يعــلوك .
لو ينطق الــهرم المخلد لانبرى : : يروى حديث المجد عن أهليك .
ويــــــا أيــــــــــهــــــــــا الــــــــــمـــــــــصــــــــرى :
* * اعلم أن من علامات الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة ، وإلى مسقط رأسها تواقة ،
( وألصق أحشائى ببرد ترابها : وإن كان مخلوطا بسم الأساود ) .
* * واعلم أن حــــرمــة بــلـــدك عليك كــحــرمة أبـــويــــك ،
وأولى البلاد بصبابتك إليه ، بلد شربت ماءه ، وطعمت غذاءه ،
( ( فلا تجف أرضا بها قوابلك ، ولا تشك بلدا فيه قبائلك ) ) ،
( ( واعمل آناء الليل وأطراف النهار من أجل مجد مصروعزها ، ورفعة شأنها ) ) ،
حفظ الله مصر ، ورد عنها كيد الكائدين ، وحقد الحاقدين ،
وجعلها آمــنــة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكــان ،
إنه على كل شىء قدير ، وبالإجابة جدير ، وهو نعم المولى ونعم النصير .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *