الدكتور حــمــدى الــحــيــوى يكتب ومــــــــــاتـــــــت أمــــــــــــــى

 
" يالها من كلمات رائعة كتبها الدكتور حمدى الــحــيــوى 
رثاء لوالدته بعد موتها سنة  ٢٠١٨ "

إلى كل من فقد أمه : ( ( ومــــــــــاتـــــــت أمــــــــــــــى ) ) ،
( فودعـت بوداعها العافية ، وفارقت مع فراقها العيشة الراضية ، ودعت بوداعها الـدعــة ، والروح والسعة ، وملكتنى حرقة تتغلغل بين اللهـــاة والتراقى ، وخنقتنى عــبرة تتحير بين الجفون والمآقى ، ولولا حصانة الأجل ، لخرجـــت روحى عـلى عـجل ، ولكنى صرت حليف وحــشــة وإن كنت ثاويا فى وطـن ، وقـــرين كـــربة وإن كنت بين جيرة وسكـن )
* * * الحمد لله الذى يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ، الذى كتب عـــلى عباده الفناء ، واستأثر بالبقاء ، قدر مقادير الخلائق وآجالهم ، وكتب آثارهم وأعمالهم ، وقسم بينهم معايشهم وأموالهم ، وخلق الــمــــوت والحــياة ليبلوهم أيهم أحسن عملا ،وجعل جنة الفردوس لعباده المؤمنين نزلا ، ويسرهم للأعمال الصالحة الموصلة إليها فلم يتخذوا سواها شغلا ، وسهل لهم طـــرقها فسلكوا الســبيل الموصــلة إليــها ذللا ، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه المصطفى ورســـوله المجتبى ، الذى جاء بأمته من الظلمات إلى النور ، وأفاء عليهم الظل بعد الحرور ، خيرة الله من خلقه ، وحجته فى أرضه ، والهادى إلى حقه ، والآخذ بفرضه ، مبارك مولده ، سعيد مورده ، ساطع صباحه ، متوقد مصباحه ، أرسله ربه للإسلام قمرا منيرا ، وقدرا على أهل الضلالة مبيرا ، صـــلى الله عليه وعلى آلــه الذين عــظمهم توقــيرا ، وطهــرهم تــطــهــيرا ،
أمـــــــــا بــــــعــــد :
فإننى أكتب والنفس فى شدة الكمد ، وفقد الاصطبار والجلد ، على ما لا يستطاع ذكره ، فكيف يتحمل ثقله ؟ أكتب والدمع واكف ، والقلب واجف ، والهم وارد ، والأنس شارد ، فكم عبرة وزفرة ، وأنة وحسرة ، وكم تململ واضطراب ، وكم اشتعال والتهاب ، لذا فإن القلب دهش ، والبنان مرتعش ، فقد بلغ الحزن منى مبلغا لم أبتذله للنوائب وإن جلت وقعا ، وبلغ منى منالا لم يؤمله طروق المصائب وإن عظمت فجعا ، ومع أن الله سبحانه وتعالى قد سوى بين البرية ، فى ورود حوض المنية ، فالموت مشرع لابد مورود ، وكل وإن طال المدى مفقود ، وما من أحد إلا وهو شارب بكأسه ، ومكتس بلباسه ، فالأعمار مقدرة لآمادها ، والآجال مؤخرة لميعادها ، فلا استزادة ولا استنقاص ، ولا فوات ولا مناص ، لأنها آماد مضروبة ، وأنفاس محسوبة ، إلا أن المصاب بك يا أمـــــــــاه قد فت الأعضاد ، وفتت الأكباد ، وفض عقود الدموع ، وشب النار بين الضلوع ، وأضعف العزائم القوية ، وأبكى العيون البكية ، وسلب الأجفان كراها ، والأبدان قواها ، وكيف لا ؟ وقد رأيت بين أظفار المنية الحداد ، وأنيابها الشداد ، نفس أمى الشريفة تفترس ، ومهجتها الكريمة تنتهس ، وكأنها من أحشائى قد نزعت ، ومن كبدى قد قطعت ، وكيف لا ؟ وقد كان مسكنها الشغاف ، وحبة القلب ، وسواد العين ، وكانت فرحتى بلقائها فرحة المحب بالحبيب ، وفرحة العليل بالطبيب ، وكنا كالنفس الواحدة لا انقسام ولا انفصام ، لا تتميز فينا الأرواح ، إذا ميزت الأشباح ، وكانت فضائلها لا تتناهى ، وبمجالستها تتجمل الأوقات وتتباهى ، لا فرح إلا بقربها ، ولا ترح إلا ببعدها ، ولا حكمة إلا ما أخذت من فيها ، ولا فضل إلا بما أخذ عنها ، رضاها ثواب ، وغضبها عقاب ، وإعراضها جحيم ، والتفاتها نعيم ، فهى البدر الكامل ، والفرد الذى ليس له معادل ولا مماثل ، وإذا كان للناس بدر ، فقد كان لى بدران يجمعهما العلو والإشراق ، ويعمان بأنوارهما الآفاق ، أما بدر السماء فهو الذى نوره الله فى علاه ، وأما بدر الأرض فهو الذى خلقه الله فسواه ، وجعله لى أمــــا ، وهذا من فيض عطاياه ، لذا فإن موتك يا أمى قد صير أفراد المحن أزواجا ، وصب على من سوط العذاب أمواجا ، وساق إلى هموما لو ألقيت على الأفلاك لما دارت ، أو على الكواكب لما سارت ، أو على الجبال لمارت ، أو على البحار لغارت ، وأصبحت أرمق الدنيا يمنة ويسرة ، فلا أرى إلا هما وحسرة ، وأظلنى بموتك يا أمى ما أرانى ضياء الدنيا ظلاما ، وصور نور الشمس فى عينى قتاما ، فكم من ليلة سرادقها ممدود ، وباب صبحها مسدود ، أحييها بالدعاء ، وهى تميتنى بالبكاء ، وكم من ليلة قد قص جناحها ، وضل صباحها ، وكيف يرجى انقضاء ليل وافى الذوائب ، ممتد الإطناب بين المشارق والمغارب ، يقاس بشبر صغير ، أو يذرع بباع قصير ، لقد أصبح ليلى فى طول الدهر ، وثقل الهجر ، وما أشبهه إلا بليل الأسير ، بل ليل الضرير ، وما أشبه نجومه التى كأنها عقلت فما تسير ، وأوثقت فما تدور ، إلا بنجوم الشيب ليست تغور ، لا بل تزيد ولا تحيد
لــلــه ما بالقلب والأحشاء من ....حزن وما بالجسم من أسقام .
ومدامع تهمى فيحرق لذعها .....خدى ومن يقوى للذغ هوام ؟
أمـــــاه : العين بعدك ما غفت ، والطرف بعدك ما سها ، والدمع بعدك ما رقا، وكيف لا ؟ وقد فقدت جزء نفسى ، وشطر روحى ، ونور عينى ،
لكن يهون على شدة المصائب ، ويخفف عنى ثقل النوائب ، تذكر المصيبة فى سيد المرسلين ، وخاتم النبيين ، ورحمة الله للعالمين ، ففى موته سلوة ، ولنا به أســـوة
" صلى الله عليه وسلم " وقد أحسن من قال :
اصــبر لكل مصــيبة وتجـلد .....واعلم بأن المرء غير مخــلد .
أو ماترى أن المصائب جمة .....وترى المنية للعباد بمرصــد .
من لم يصب ممن ترى بمصيبة ...هذا سبيل لست فيه بأوحــد .
وإذا ذكرت مصيبة تشجى بها ....فاذكر مصابك بالنبى محمد .
سأتحلى بالصبر الذى جعله الله جوادا لا يكبو ، وصارما لا ينبو ، وجندا لا يهزم ، وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم ، فهو والنصر أخوان شقيقان ، فالنصر مع الصبر ، والفرج مع الكرب ، واليسر مع العسر ، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد ، ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد ،
لن أجزع من غصة الدهر ، وسألبس لباس الصبر على العسر ، فالصبر أفضل عدة ،ولا بد من الفرج بعد الشدة ، وأنا " ولله الحمد والمنة " لم أكن يوما من الظانين بالله ظن السوء لأنه تعالى أولى بالجميل ، ولم أكن يوما من القانطين فإنه عز ذكره يفرج عما قليل ، وقوله جل جلاله أصدق قيل ، وإن الذى أخرج يوسف من ذلة الرق إلى عزة العتق ، ومن كرب الحبس المرهق إلى روح الملك المونق ، قادر على أن يجبر كسرى ، ويصلح أمرى ، فكل عسير إذا يسره يهون ، وأمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ،
أمـــــــــــــــــاه :
لقد أحسن الله لك الاختيار ، فقبضك إليه قبض الأخيار ، وانقضت أيامك ، وانتقلت إلى جوار ربك ، ولحقت بالسبيل الذى لا احتراز منها ، ولا مجاز عنها ، وأسعدك الله بجواره ، ونقلك إلى دار رضوانه، ومحل غفرانه ، وأبى الله لروحك الطيبة إلا أن تشهد أياما من رمضان ، لتنعم برحــــمة الرحــمـــن ، فى شهر الفضل والإحسان ، والرحمة والغفران ،
ربــــــــــــــاه :
ما المفزع إلا إليك ، ولا الاستعانة إلا بك ، ولا التوفيق إلا منك ، ولا الموئل إلا أنت ، عليك توكلت ، وإليك أنبت ، أنت علام الغيوب ، ومن بيدك أزمة القلوب ، الخبير بما تجن الضمائر ، وتكن السرائر ، العالم بما تفضى إليه الأمور ، وبخائنة الأعين وما تخفى الصدور ، أمرك قضاء وحكمة ، ورضاك أمان ورحمة ، تقضى بعلم ، وتعفو بحلم ، فلك الحمد على ما تأخذ وتعطى ، وعلى ما تعافى وتبتلى ، حمدا يملأ ما خلقت ، ويبلغ ما أردت ، حمدا لا يحجب عنك ، ولا يقصر دونك ، حمدا لا ينقطع عدده ، ولا يفنى مدده ،
أمــــــــــــاه :
لو غذيت بلبان البيان ، وسحبت على سحبان ذيل النسيان ،
ما استطعت أن أوفيك حقك من الشـكــــــر والعـــرفان ،
برد الله مضجعك ، وأكرم مرجعك ، وجعل دار الأبرار موضــعـك ، ونـــور مـــزارك ، ومحا من صحيفتك يــوم الـعـــرض أوزارك ، ورحم روحك اللطيفة ، ولا برحت سحائب الغفران بقبرك مطيفة ،
ولله ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكل شىء عنده بمقدار ،
ومع الصبر والاحتساب ، لا نقول إلا ما يرضى ربـــــنـــا
" " إنــــا لــــلـــــه وإنـــــا إلـــــيــــه راجـــــعـــــــون " "

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

برقية تهنئة للأستاذ محمد والأستاذة مريم بمناسبة الخطوبة السعيدة.

مباحث البحيرة تكثف جهودها لكشف لغز العثور علي جثة فتاة بعيادة عيون في كفر الدوار

جريمه قتل داخل سفير مول بكفر الدوار في عياده الرمد