المستشار : عادل رفاعى يكتب الرضا و النور



قابلنى صديقى الكفيف الثمانينى وما أن سألته عن حاله حتى تهللت أساريره وانطلق لسانه يلهج بالحمد والثناء على الله الذى منحه قلبا راضيا ولسانا ذاكرا وبدنا على البلاء صابرا وقسمات وجهه تنطق بالرضا و النور والطمأنينة والحبور فلما سألته عن سر هذه الحالة التى تسكنه من السعادة رد بأنه الرضا فهو شمس لا تغيب تملأ الدنيا نورا ودفئا وأُنسا وتفاؤلا فالله تعالى ذكر الرضا بقوله (رضى الله عنهم ورضوا عنه) فى أربعة مواضع فى سورة المائدة آية 119 والتوبة آية 100 والمجادلة آية 122 والبينة آية 8 

وأنبأنى أنه حالما يكون المرء متزيناً بلباس الرضا فإنه يكون مُسلِّما بكل ماقدره الله فى هذه الدنيا حلوه ومره خير وشره فإذا ضربته عواصف البلاء قابلها بمراكب الرضا فهى سفن النجاة فالله إنما أراد بهذا البلاء أن يرفع درجاته وأن يحط عنه من الخطايا وأن يطهر نفسه وقلبه من خبث الدنيا وقذرها 

فإن حدّثوه عن شر مخيف بعد أن يرضى حدثهم عن رب لطيف وإن كلموه عن غلس الليل البهيم فليحدثهم عن نور الفجر الساطع الذى تنبلج أضواؤه فتملأ الدنيا ضياء فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا  .

وإن طافت بذهنه لحظات قنوط حدثهم عن الأمل والتفاؤل وحسن الظن بالله و إن حدثوه عن مستقبل ملبد بغيوم الخيبات حدثهم عن رب كريم له فى كل نفس مائة ألف فرج قريب و أخبرهم عن سحائب لطفه وشآبيب رحمته وجزيل نعمائه و واسع فضله ثم أردف أن الرضا مرتبة تعلو الصبر فالرضا أن تشكر الله على الأوجاع والآلام والبلايا وحين يصيبك طرف منها فاحمد ربك على عظيم العطايا وجميل المنح فهى جسرك للعبور إلى الجنة وهى منزلة عالية لا يبلغها إلا المحبون المتقون واستطرد أن المرء لو تجرد من الرضا فحتى لو ملك الأرض وما عليها فلن تهدأ نفسه ولن يعرف للسعادة طريقا وسيلبس ساعتها أردية الردى وسيحيا منغصا كسير النفس حسير البال فى شقاء أبدى وتعاسة سرمدية و قلق دائم واضطراب مستمر فالكثير فى يديه سيغدو قليلا فهو جائع وإن أكل أفخر الأصناف من الأطعمة وهو ظامىء لن يرتوى البتة مهما احتسى من صنوف الشراب وهو عار مهما اكتسى بأغلي الثياب وسيضحى تائها حيرانا زائغ البصر مبهور الأنفاس مثقلا بهموم الدهر فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول من رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط .

 فسألته فكيف السبيل يا شيخى ؟؟ 

قال القرب من الله فكن حيث يريدك ربك كالغيث للناس أينما وقع نفع لا تدعن يوما يفلت إلا أضفت فيه لبنة فى بناء نفع وطنك و أمتك و أهلك تتحدى الزمان و المكان و غوائل الدهر

كن عظيم المساعفة قليل المخالفة حسن الأخلاق كريم الطباع كن فى حاجة الضعفاء واس الثكالى أغث الملهوفين أعن المساكين كن فى حاجة مريض أو صلة رحم أعن على نوائب الدهر لن ينسى لك الله تعالى سرورا أدخلته على نفس بائس أو محروم أو يتيم أو صدقة جُدت بها على محتاج أو بسمة رسمتها على شفاه التعساء كن معطاءً فما استحق أن يولد من عاش لنفسه إسع فى حاجة المعوزين إرفع راية الحب والتسامح وتغافل عن أخطاء الآخرين و غُض الطرف عن نقائصهم كن داعية الوئام وسامح واغفر لا تضمر للناس -حتى الذين أساؤوا إليك- إلا الخير وإياك أن تتواجد حيث أراد الجليل أن يفتقدك و إياك و المحارم ولا تطرق بخواطرك غير بابه فمن أمل فى غير جنابه كساه ثوب المذلة كن راضيا لا تشكون ربك لعباده وعليك بصنائع المعروف فإنها تقى مصارع السوء و ارضَ ببلائك فهو تذكرة عبورك إلى الجنة و لولاه لدخلنا علي الله يوم القيامة مفاليس

 وها هو الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول :

"حتي الشوكة يشاكها العبد المؤمن إلا رفعه الله بها درجة و حط بها عنه خطيئة"

 قلت له فات البعض منا ياسيدى قطار العمر و أضحى وحده فريدا يمضع العجز ويشتكى الشدة لدى أضعف شدة فقال الله أراد بهم أن لا يجمعوا بين دفتى قلوبهم حبا مع حبه فى الدنيا قلت قد عصت قلوبهم فأحبوا وفارقوا و اكتووا بنيران فراق مستعرة بعد أن آل أمر الحبيب إلى غيرهم ولم يبق لهم إلا الحسرات قال ومن أدراك أنهم إذ ذهبوا إلى الغير أنهم فى حال سعادة ربما أتعسهم القرب و زادهم شقاء و أراد الله لأصحابك الإفلات من هذا المصير التعس و عسي أن تكرهوا شيئا و يجعل الله فيه خيرا كثيرا 

فوحده الله علام الغيوب وما معنى الرضا إذ لم يصبروا ؟؟

 فلما سألته عن الوحدة والصرخات والآلام والليالى الطوال قال كلها إن صحت العزمات تصنع المعجزات مع الرضا فأنات المكروبين أحب إلى الله من ترانيم الشاكرين فالسماء تطرب لتلك الأنات و تسعد باستقبالها فهي الإخبات و الخنوع و الإقرار و الحاجة و الفقر إلي الله 

والرضا يحيل بلاءهم إلى مزامير يناجون بها الخالق الأعظم و يحيل حلكة الليل المظلم نورا فتسعد النفوس وتطمئن الأرواح المعذبة فليرضوا يا ولدى وليجتهدوا فى طرق باب المنان فى ظلمات الليل البهيم و ليقرعوا بدعواتهم الأبواب و ليشقوا بها عنان السماوات فمن أدمن قرع الباب ولج والله المستعان .

 قلت سبحانه هو قديم الإحسان دائم الخير كثير المعروف وهو بقلوب المحبين رؤوف 

قال بلى فلما سألته عن لوعتى بعد فراق أحبتى وأقرب المقربين من قرابتى الذين كانوا نسمة الهواء العليل فى هذا الهجير وتركوني فى بيداء الحسرات وقد ضاق الصدر و تاه الفكر وتحيرنا فى الأمر 

قال إنهم فى البرزخ منعمون فى ضيافة الحنان المنان بطيب أعمالهم وحسن خواتيمهم وكريم منبتهم وبقدر ما قاسوا من ويلات حتى تلقاهم فى فجر القيامة فى فراديس الجنان و اعلم بأنه بإخلاصك لهم و تذكرك إياهم و دعائك الذي لا ينقطع لهم نجوت من جحود النفس و لعل أرواحهم التى تعلقت بها متصلة بروحك تحيى فيك وفاءك حين تتلقي جزاء  دعواتك و هي فى الألحاد مطمئنة

فتعلق بمن هو حسبك وحسبهم فهو الباقى الديان و الرب العظيم الذي تؤلهه القلوب رقة و عشقا و كفي

فملكه مقيم وهو فى جلاله عظيم وبعباده رحيم ثم دعا لهم جميعا و دعا لي و ودعنى وملء شدقيه إبتسامة عريضة وانصرف راشدا 

فاللهم ارزقنا رضا تملأ به أنفسنا وقلوبنا وتفتح لنا به خزائن عطاياك و تفيض علينا به من أنوراك فإنك صاحب الجود والكرم 

وصل على خير خلقك محمد النبي الأمي الصادق الأمين الذى علمنا كيف نرضى بقضائك ونسعد بقدرك صلاة تملأ أقطار السماوات والأرض نورا حتى نلقاك راضين فرحين و ارحمنا بها رحمة تطمئن بها النفوس وتقر بها العيون وتحشرنا بها مع المتقين وفدا في صحبة النبي العدنان صلي الله عليه وسلم و في ظل شفاعته يوم الزحام  


 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

برقية تهنئة للأستاذ محمد والأستاذة مريم بمناسبة الخطوبة السعيدة.

مباحث البحيرة تكثف جهودها لكشف لغز العثور علي جثة فتاة بعيادة عيون في كفر الدوار

جريمه قتل داخل سفير مول بكفر الدوار في عياده الرمد